بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار

          34- (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ☺(1) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلعم قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ...(2)) الحديث. [خ¦555]
          ظاهرُ الحديثِ يدلُّ على(3) تعاقبِ الملائكةِ فينَا بالليلِ والنهارِ واجتماعِهم في صلاةِ الصبحِ والعصرِ، وسؤالِ مولانا جلَّ جلالُه عن عبيدِهِ، والكلامُ عليه مِن وجوه:
          منها(4): لِمَ يسألُ مولانا جل جلاله عن آخرِ الأعمالِ لا غيرَ؟.
          ومنها: لِمَ جاوبتِ الملائكةُ بأكثَرَ مما سُئِلوا؟.
          ومنها: مَن هؤلاءِ(5) العَبيدُ المسؤولُ عنهم؟.
          ومنها لِمَ خُصَّت هذهِ الأوقاتُ بالسؤالِ دونَ غيرِها؟.
          ومنها: ما الفائدةُ لنا بالإخبارِ(6) بهذا؟ وما / يترتبُ عليهِ مِن الفقهِ؟
          فالجوابُ عن الأول: أنهُ قدْ أخبرَ صلعم (أنَّ الأعمالَ بخَواتِمِها(7))، فالحكم هنا كالحُكمِ هناكَ(8)، وأمَّا كونُ الملائكةِ أجابوا بأكثرَ مما سُئِلوا؛ فلأنَّهم(9) علموا أنَّه سؤالٌ موجِبٌ للرَّحمةِ والإِفضالِ، فزادوا في موجِبِ ذلكَ بأنْ قالوا: (وجدناهُم وهُم يُصلُّونَ)، ويترتَّب على هذا وجهانِ مِنَ الفقه:
          (أحدُهما): أنَّ أعلى العباداتِ الصلاةَ؛ لأنَّه(10) عليها وقعَ السؤالُ والجوابُ.
          (والوجهُ الآخرُ):(11) أنَّ الملائكةَ تَفرحُ بعملِ العبدِ الصالحِ، وأنهم يُحبُّونَ له رحمةَ المولى على ذلكَ وحسنَ جزائِه ╡ ، ولولا ذلكَ لَمَا زادوا مِن عندِ أنفسِهم ما لم يسألوا عنه.
          وأمَّا مَن هُم هؤلاءِ(12) العبيدُ المُشارُ إليهم بهذا التخصيصِ العظيمِ؟ وهو كونه جلَّ جلالُه أضافَهم إلى نفسِه الجليلةِ(13) وذِكرُهُ لهم(14)؛ لأنه(15) أخبرَ في كتابِه أن ذِكرَهُ عَبدَهُ هو رحمةٌ(16) له في سورة مريمَ(17) قولُه(18)(19) : {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ} [مريم:2] قالَ العلماءُ هو مِن المُقدَّمِ، معناهُ: ذكر ربِّكَ عبدهُ رحمةً(20)، فَهُمُ الذينَ وصفَهم ╡ في كتابِه بقولِه سبحانه(21): {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42].
          وأمَّا(22):لِمَ خُصَّتْ هذه الأوقاتُ بالسؤالِ فيها عنْ غيرِها؟ فمِنْ بابِ التشريفِ؛ لأنَّ الله جلَّ جلالُه يُشَرِّفُ مَن شاءَ(23) مِن عبادِه حيوانًا كانَ أو جمادًا أو ما شاء(24)، ويترتَّبُ عليهِ مِن الفقه وجهانِ:
          منها: أنَّ هذين الوَقتين أشرفُ الأوقاتِ، وقد دلَّت عليهِ آثارُ كثيرةٌ، منها قولُه صلعم كنايةً عن مولانا جلَّ جلالُه: «اذْكُرْنِي ساعةً بعدَ الصُّبحِ وساعةً(25) بعدَ العَصْرِ(26) أَكْفِكَ(27) مَا بَينَهُمَا».
          ومنها: أنَّ الرِّزْقَ يُقسَمُ / مِن بعدِ صلاةِ الصُّبحِ، فمَن كانَ في ذلك الوقتِ في طاعةٍ زِيْدَ في رِزقِه، ولذلك(28) ترى أرزاقَ أهلِ التعبُّدِ مباركةً، والبركةُ أكبرُ الزياداتِ، وقد جاءَ فيمن حلفَ بعدَ العصر حانِثًا وعيدٌ عليهِ شديدٌ.
          ومنها: قوله صلعم : «اسْتَعِينُوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ» فلولا فَضلُهما لَمَا دلَّ عليهِا.
          والوجه الثاني: أنَّ الصلاةَ التي توقع(29) فيها تكونُ أفضلُ الصلواتِ؛ لأنَّ الوقتَ المسؤولَ عنهُ مرفَّعٌ(30) على غيرِه، والصلاةُ مسؤولٌ عنها(31) مِن بينِ غيرها مِن الصلواتِ، فتكونُ بهذا التأويلِ هي الصلاةُ الوُسطَى التي أُمِرنَا بالمحافظةِ عليها، فتكونُ صلاةً وُسطى في زمنِ(32) الليلِ وصلاةً وُسطَى(33) في زمنِ النهارِ، لأنَّ الصلاةَ الوسطى اختَلَفَ العلماءُ فيها على أَحد عَشَرَ وجهًا، ما مِن وجهٍ إلا وقدْ قالَ الخصمُ فيه مَطعَنًا واعتُرِضَ عليه، وأرجو لِمَا قرَّرناه أن هذا أقلُّها اعتراضًا(34).
          وزيادةٌ في ذلكَ ما تقدَّم مِن البحوثِ(35) في هذا الحديث وافقَ(36) عليها(37) بعضُ الطَّلَبةِ، فالأكثرُ منهم سَلَّموا واستَحْسَنوا إلا شخصًا واحدًا اعترضَ على قولنا: (إنَّها الصلاةُ الوُسطَى) اعْتِراضًا ليسَ بالحَسَنِ، فَعزَّ(38) ذلكَ على(39) بعضِ مَن له تعلُّق بالمتكلِّمِ بتلكَ البحوثِ، فلما كانَ في الليلِ رأى رسولَ اللهِ صلعم في النوم والمتكلِّمُ بينَ يديْهِ وهو يقولُ لهُ: يا رسولَ اللهِ، ظَهَرَ لي في هذا الحديثِ، وذكرَ له تلكَ البحوثَ واعترَضَ عليَّ شخصٌ(40) في الصلاةِ وما ذَكرْتُ فيها مِن أنها الوسطى، فجاوبَه الرسولُ صلعم (41) بأنْ قالَ له(42): حَسَنٌ ما قلتَ، وما ظهرَ لكَ حقٌّ، فلمَّا أصبحَ أخبرَ الرائي المتكلِّمَ(43) بمقالَةِ رسولِ اللهِ صلعم، فقالَ له: إذا أجازَها(44) سيِّدنا(45) صلعم فلا / أُبالي بِمَن رَدَّها.
          وأمَّا(46) الفائدةُ فيه، وما يترتبُ على ذلكَ مِنَ الفقهِ؟ فالفوائدُ كثيرةٌ، وما يترتَّبُ عليها(47) مِن الفقهِ(48) كذلكَ، فما(49) فيهِ مِنَ الفوائِدِ: الإخبارُ لنا بما نحنُ فيهِ مِنَ الضبطِ، وكيفيَّته.
          ويترتَّبُ على هذا(50) من الفقهِ أنْ ننتبه(51) إلى أنفسِنا ونحفظَ أوامِرَنا ونواهِيَنا، هذا للعَوَامِّ، وأما الخواصِّ(52) فالفرحُ والسرورُ بهذهِ الأوقاتِ كقدومِ(53) رُسُلِ المَلِكِ إليهم وسؤالِه عنهمْ، فهذهِ أعلى المَسَرَّاتِ عندهم، ولذلك يذكر عن(54) بعضِهم أنَّه(55) إذا كانَ آخرَ صلاةِ الليلِ ويَفرَغُ منها يَلبَسُ أحسَنَ ثيابِهِ ويجلِسُ على أحسنِ فرشِهِ، ويقول: مَرحبًا بِرُسُلِ ربِّي الكرامِ، بسمِ اللهِ اكتُبَا، فيَبْقَى في ذكرٍ وتلاوةٍ حتى تَجيئَه(56) أوقاتُ الصلوات، فيُصلِّي ويعودُ حتى(57) إلى آخرِ صلاةٍ في النهارِ، ويفعلُ مثلَ ذلكَ بالليلِ، ذلكَ كانَ حالُه.
          وفيه مِن الفوائد أيضًا: العلمُ بحبِّ الملائكةِ لنا، ويترتَّبُ عليهِ مِن الفقهِ الأُنْسُ بهم والحبُّ لهم، وهو مما يُقرِّبُ إلى الله ╡ .
          وفيهِ الإخبارُ بالغُيوبِ، وهو مِن أكبرِ الفوائدِ، ويترتَّبُ عليهِ مِن الفقهِ زيادةُ الإيمانِ، فيتحصَّلُ عليهِ الْمِدْحَةُ الكُبرَى والمِنْحَةُ(58) العُظمى التي(59) مُدِحَ بها أهلُ الإيمانِ لقولِه جلَّ جلالُه: {الذينَ(60) يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3].
          ويترتَّبُ عليه مِن الفوائدِ: الإخبارُ بحُرمَةِ هاتين الصلاتينِ لِما(61) يجتمعُ فيهما أربعٌ(62) مِن الملائكةِ، وفي غيرهما اثنانِ اثنانِ، ويترتَّبُ عليهِ مِن الفقهِ المُحافظَةُ عليهما والاهتمامُ بهما بزيادةِ(63) ترفيعِ سيِّدنا صلعم بالإخبار بذلك ؛ لأنَّه ما زادَ(64) اطلاعُه ◙ على أمورِ الغيب ِوالعلمِ بها والإخبارِ عنها زادَ ترفيعُه ◙ ، ويترتَّبُ عليهِ من الفقهِ زيادةُ / ترفيعنا لهُ ◙ ، وما زدنا له ترفيعًا زدنا إلى مولانا قُربًا.
          وفيهِ مِن الفائدةِ(65) معرفةُ ترفيعِ هذهِ الأُمةِ(66) على غيرِها؛ لأنَّه لم يُخبِر بهذا إلا عنايةً بها، ويترتَّبُ عليه مِن الفقهِ شكرُ هذهِ النعمةِ التي خصَّصَنا بها، والشكرُ يقتضي المزيدَ بالوعدِ الجميلِ، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7]، فإن قالَ(67) قائِلٌ: ما مَعنى (فِيْكُمْ)؟ أَهِيَ إلى جنسِ المؤمنينَ منكم ومن غيرِكم؟ أو هيَ (لكمْ)؟ فإنْ كانتْ للجميعِ فكذلكَ كانَ مَن كانَ قبلَكُم، فالجوابُ عنه كالجوابِ قبلُ؛ لأنَّ هذه نعمةٌ أعمُّ من الأُولَى.
          وفيه من الفوائدِ: العلمُ باهتمامِ اللهِ ╡ بعبيدِه، ويترتَّبُ عليهِ مِن الفقهِ إذا علِمْنا ذلك قوةُ اليقينِ، وهو أعلى الدرجات.
          وفيهِ مِن الفائدةِ(68): أنَّه عندَ سماعِ ذلكَ تعرِفُ قَدْرَ إيمانِكِ من ضعفِه وقوَّتِه، ويترتَّبُ عليهِ مِن الفقهِ أنكَ إذا رأيته قويَّا وزادَك ذلكَ حَثًّا على العملِ حَصَل لك بِشارَةٌ أنَّ فيكَ من القومِ نِسبةٌ، وإنْ لم تَرَ ذلكَ يَزيدُ عندكَ شيئًا إلَّا سَمْعَكَ لهُ كسَمْعِكَ أخبارَ النّاس عرفتَ أنَّكَ مِن المساكينِ الذينَ يُخافُ عليهم، فتدارَكْ نفسَكَ بالمعالجةِ، وهذا وجهٌ كبيرٌ مِن الفقهِ.
          وفيه فائدةٌ كُبرَى: فإنَّه(69) يدلُّ(70) على جملةٍ من صفاتِ الحقِّ ╡ (71)، وهي الدلالةُ على أنَّه ╡ مُتكلِّمٌ، وأنَّ كلامَه لا يُشبِهُ كلامَ المَخلوقينَ، وأنَّه ╡ موجودٌ حقًّا، وأنَّهُ ليسَ في مكانٍ، وأنَّهُ تعالى مُدرِكٌ لجميعِ(72) الأشياءِ، فأمَّا الدليلُ مِن الحديثِ على كلامِه ╡ فمِن(73) قوله: (كَيْفَ(74) تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟)(75)، وأما الدليلُ على أنَّ(76) كلامَه ╡ (77) ليسَ ككلامِ المَخلوقينَ فمِن قوةِ الكلامِ / في الحديثِ، لأنه ◙ أخبَرَ أن الملائكةَ تأتي في الزمن الفَرْد مِن جميع أقطار(78) الأرضِ بأعمالِ جميعِ العبادِ، وفيهم البَرُّ والفاجِرُ، والمؤمنُ والكافرُ، وهذا عددٌ لا يُحصيه العقلُ ولا يَضْبِطُه في هذا القَدْرِ مِن الزمانِ لا(79) بالوَهْمِ ولا بالكَيفِ(80)، فيَسأَلُ من هذا الجمعِ العظيمِ الحَفَظَةَ الذينَ أتَوا مِن عندِ الخواصِّ(81) مِن عبادِهِ دونَ غيرِهم، فدَلَّ(82) ذلكَ على(83) أنَّه جلَّ جلالُه يخاطِبُ حَفَظَةَ كلِّ شخصٍ مُنفردَينِ، فيَحصُلُ الخِطَابُ للجمعِ الكثيرِ في الزمنِ(84) الفَردِ على الانفراد(85) مزدوجَينِ على حدٍّ واحدٍ لا يُشبِهُ هذا كلامَ المخلوقينَ ولا يتوهَّمُه عقلٌ ولا يُكَيِّفُه(86).
          وممَّا يُقوِّي ما قلناهُ قولُه صلعم : «إذا صَعِدَ الحافظانِ(87) ♂ بعملِ العبدِ، وأولُ الصَّحيفةِ مُبْيَضٌّ بالحَسَناتِ وآخِرُها كذلك، قالَ(88)(89): أُشهِدُكم يا ملائِكتي أنِّي(90) قدْ غَفرتُ ما بينَهما مِن السيئات، فتبقَى الصحيفةُ بيضاءَ نقيةً، وإن كانَ أحدُ طرفَيْها مختَلِطًا بالحسناتِ والسيئاتِ أُقِرَّتْ على(91) ما هيَ عليهِ».
          وأمَّا الدليلُ على وجود نَفْسِ(92) الربوبيَّةِ فهو الكلام(93) فلأنَّ(94) الكلامَ لا يكونُ إلَّا مِن مَوجودٍ قَطعًا.
          وأمَّا الدليلُ على أنَّه ╡ (95) ليسَ في جهةٍ؛ فلأنَّه صلعم ذكرَ الصُّعودَ والخِطابَ ولم يتعرَّضْ إلى الجهة(96)، فدلَّ أن لا تَحيُّزَ(97).
          وأمَّا الدليلُ على(98) إدراكِهِ ╡ لجميعِ المُدرَكَاتِ، فلكونِه ╡ يُخصِّصُ حفَظَةَ(99) أهلِ الخصوصِ مِن بينِ غيرِهم بهذا الخطابِ، ويترتَّبُ على هذا مِن الفقهِ معرفةُ الحقِّ ╡ وزيادةُ اليقينِ بوجودِهِ تعالى(100) وقوةٌ في الإيمانِ، ويترتب عليه الثوابُ / الجزيلِ(101)، فإنَّ أكبرَ طُرقِ الوصولِ إليهِ ╡ (102) المعرفةُ به وبتنزيهه(103)، جعلنا الله ممَّنْ مَنَّ بهِ عليهِ(104) وحفِظَه عليه بمنِّهِ.
          وهنا بحثٌ: متى يكونُ عُرُوجُهم؟ لأنَّه قالَ ◙ (105): (ثُمَّ يَعرُجُ الذِيْنَ بَاتُوا(106) فِيكُمْ)، ورِوايَةٌ أُخرى: ((كَانُوا فِيكُمْ))، فأمَّا في صلاةِ الصُّبحِ فبَعدَ الشُّروعِ(107) فيها والانتظارِ(108) لها، بدليلِ قولِهم: (تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ)، وأما قولُنا: (أو هُمْ(109) يَنْتَظِرُونَها)، أعني: ينتظرونَها، أي(110): ينتظرونَ إيقاعَها لقولِه ◙ : «لا يَزالُ(111) العبدُ في صَلاةٍ(112) مَا دَامَ يَنتظِرُ الصَّلاةَ»، وأمَّا الذينَ يَعرجُونَ آخرَ النهارِ، فاحتُمِلَ(113) أن يكونَ مثلَ الصبحِ واحتُمِلَ أنْ يكونَ عندَ العشاءِ الآخِرةِ على روايةِ: ((بَاتُوا فِيْكُم))؛ لأنَّ المشهورَ مِن اللُّغةِ أنهم يسمُّونَ مِن الزَّوالِ إلى المغربِ مساءً(114)، ومِن المغرب إلى الصبح مبيتًا، فإذا صعدوا بعدَ العشاءِ فقد أخذوا جزءًا مِن المبيتِ، والعربُ تطلقُ اسمَ الكلِّ على البعضِ كما يقولونَ: جاءَ زيدٌ يومَ الخميسِ، وما وقعَ مجيئُه إلا في(115) جزءٍ منه، وأما على رواية: ((كَانُوا فِيكُم)) فيُحتَمَلُ مثلَ الصبحِ، وقد يحتملُ مثلَ ذلكَ على روايةِ: ((بَاتُوا فِيْكُمْ)) لأنَّ العربَ تُسمِّي الشيءَ بما يقربُ منهُ، وإن كانَ قد جاءت(116) روايةٌ ضعيفةٌ؛ أنَّ العربَ تُسمِّي مِنَ الزوالِ إلى الصبحِ مَبيتًا(117).
          وقد يبقَى ما قلناهُ مِن احتمالِ تأخيرهم بالصُّعود إلى العشاءِ الآخرةِ(118) لأنَّه مِن أحدِ مُحتمِلاتِها، وهو الذي نبَّهَ عليه أهلُ الصنعةِ(119) النَّحوِيَّة في بابِها عندَ(120) كلامِهم عليها وعلى(121) أخواتِها مِن حروفِ العطفِ، وهي للمُهلَةِ(122)، فهذهِ المُهلَةُ احتملتْ أن تكونَ مقارنةٌ للأوقاتِ التي حُدَّت(123) للصلاةِ، فإنَّها مؤبدةٌ، أو إلى أزيدَ مِن ذلكَ، فأمَّا(124) / في الصبحِ فلا يحتمل(125) أزيدَ منهُ لأنَّه ليسَ لنا بما تطرق(126) له ذلك، وما طَرَقَنا الاحتمالُ في الطرفِ الآخرِ إلا على روايةِ: ((بَاتُوا فِيكُم)) لاتِّساعِ الزمانِ في ذلكَ، ولذلك(127) تجب المحافظةُ في الجميعِ كما قاله أهلُ المعرفةِ من العلماءِ ليصلِّي(128) الوسطى بالقطع.
          وقولُهم (وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) الوجه فيهِ كالوجهِ في الذي قبلَهُ مِن أنَّهم أَتَوْهُمْ وهم في نفسِ الصلاةِ أو همْ ينتظرونَها، لكنَّ الأظهرَ واللهُ أعلمُ أنهم في الوقتِ الذي يكونُ نزولُهم صعودُ الآخرينَ، وتكونُ ((ثُمَّ)) للانقلابِ مِن حالٍ إلى حالٍ ليسَ بينَهُما شيءٌ آخرُ، وهو مِن وجوهِهما(129) المستعملةِ فيها، ومما يقوِّي هذا مِن خارجٍ(130) أنَّه ◙ (131) قال:(132) «إن مَلَكَ اليمينِ مُوكَّلٌ على مَلكِ الشمالِ»، ولو بقيا(133) هذا المِقدارَ من الزمانِ وهو مِن العصرِ فإنَّ نزولَهم فيه محقَّقٌ إلى العشاءِ الآخرةِ؛ لأنه قَدْرُ ثلثِ يومٍ، فكيفَ يصحُّ أن تجيءَ(134) الأخبارُ بصيغةِ الانفرادِ عن ملَكِ اليمينِ والشمالِ مُطلقًا؟ ولقولِنا مما استشهدنَا بهِ(135) قبلُ لقولِه(136) صلعم : «إِذَا صَعِدَ الحَافِظانِ»، فلم يذكرْ في الصعودِ بالصحيفةِ إلا اثنينِ.
          ومِن طريقٍ آخرَ: «لو قَعَدا يَكتُبانِ(137)»، الاثنان مُنفرِدانِ في هذا الزمانِ(138) لكان(139) يؤولُ الأمرُ إلى تكرار(140) العملِ على العبدِ، وهذا على صفةِ العَدْلِ مُحالٌ(141)، ولو كانَا(142) أيضًا يَقعُدانِ في هذا الزمانِ الخاصِّ ولا يكتُبان(143) فهذا على مقتضى الحكمةِ مُحالٌ ثانٍ؛ لأنَّ الحكمةَ لا عملَ فيها لغيرِ فائدةٍ.
          ودليلٌ(144) آخرُ: لو كانَ كذلكَ _أعني بقاءَهم إلى العشِاء الآخرةِ_ لكانَ السيِّدُ(145) صلعم / يُبيِّنُ لنا هذا؛ لأنه يترتَّبُ عليهِ فوائدُ وأحكامٌ، وأقلُّ مِن هذا لم يُغفِلْه(146) وأخبَرَنا به لِمَا طُبِعَ عليه صلعم (147) مِن الشَّفقةِ والنُّصحِ.


[1] قوله: ((☺)) ليس في (ف)..
[2] في (ج) و(ف): ((ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ ربُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ))، وليس في (ل) قوله: ((ربهم))، وليس في(ج) و(م) قوله: ((الحديث)).
[3] قوله: ((يدل على)) ليس في (ل).
[4] زاد في (ج) و(م): ((أن يقال))، وفي المواضع الأربعة التي تليها عند قوله: ((ومنها)).
[5] في (م): ((هذا)).
[6] في (م): ((بالإخبار لنا)).
[7] في (ج): ((بخواتيمها)).
[8] في (م): ((فالحكم عليه هناك كالحكم عليه هناك)).
[9] قوله: ((فلأنهم)) ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[10] في (م): ((لأن)).
[11] في (م): ((ولوجه آخر)).
[12] في (م): ((هذا)).
[13] قوله: ((الجليلة)) ليس في (م) و(ل).
[14] زاد في و(م) (ج): ((رحمة)).
[15] زاد في (م) و(ل): ((قد)).
[16] في (م): ((لعبده رحمة)).
[17] زاد في (ف): ((♀)).
[18] في (م): ((بقوله)).
[19] في (ف): ((سبحانه)).
[20] قوله: ((قالَ العلماءُ هو من المُقدَّمِ، معناهُ: ذكر ربِّكَ عبدهُ رحمةً)) ليس في (م).
[21] قوله: ((ذكر رحمت ربك عبده... بقوله سبحانه)) ليس في (ج).
[22] زاد في (ج) و(م): ((قولنا)).
[23] في (ج) و(م) و(ل) و(ف): ((يشاء)).
[24] قوله: ((أو ما شاء)) ليس في (م).
[25] قوله: ((ساعة)) ليس في (ل).
[26] في (م): ((وبعد ساعة من العصر)).
[27] في (ط) و(م) و(ل): ((أكفيك)) والمثبت من (ج) و(ف).
[28] في (ج): و(م): ((ولهذا)).
[29] في المطبوع: ((تقع)).
[30] في (م): ((فيه يرفع)).
[31] في (ل): ((عليها)).
[32] في (ج) و(ل): ((زمان)) في هذا الموضع والذي يليه، وفي (م): ((زمان)).
[33] في (ج): ((الوسطى)).
[34] في الأصل: ((أعني أجا)) بدل: ((اعتراضا))، بل الأصل كغيره.
[35] في (ج) و(م) و(ف): ((تقدم من البحث)).
[36] في (ل): ((وقف)).
[37] في (ج): ((عليه)).
[38] في (م): ((فعر)).
[39] في (ج): ((فضرني ذلك عن)).
[40] في (م) و(ل) و(ف): ((شخص علي)).
[41] في (ف): ((◙)).
[42] قوله: ((له)) ليس في (م).
[43] في (ج) و(م) و(ل): ((للمتكلم)).
[44] في (ج): ((فقال له إذا جازها)).
[45] زاد في (ف): ((رسول الله)).
[46] زاد في (ج) و(م): ((قولنا ما))، وزاد في (ل): ((ما)).
[47] في (م): ((على ذلك)).
[48] قوله: ((ومايترتب عليها من الفقه)) ليس في (ف).
[49] في (ل) و(ج): ((فمما))، وفي (ف): ((فيما)).
[50] في (م): ((ذلك)).
[51] في (ج) و(ج) و(ف): ((نتنبه)).
[52] في (ج) و(م): ((أوامر ربنا ونواهيه هذا وظيفة العوام وأما وظيفة الخواص)).
[53] في (ل) و(ف): ((لقدوم)).
[54] في (ج) و(م): ((ولهذا المعنى ذكر)).
[55] زاد في (ج) و(م): ((كان دأبه)). وقوله بعدها: ((إذا)) ليس في (ل).
[56] في (ل): ((يجيئه)).
[57] في (ف): ((يعود حتى))، وفي (المطبوع): ((حتى يعود)).
[58] في (ل): ((والمحنة)).
[59] في (م): ((الذي)).
[60] قول: ((الذين)) زيادة من (ج) و(م) و(ل) و (ف) على الأصل.
[61] زاد في (ج) و(ل): ((كان)).
[62] في (ج) و(ل) و(ف): ((فيها أربعة)).
[63] في (ج): ((لزيادة)).
[64] زاد في (ف): ((صلعم لأنه مازاد بالاختيار بذلك)).
[65] في (ف): ((الفوائد)).
[66] في (ل): ((الآية)).
[67] قوله: ((قال)) زيادة من (ج) و(م) و(ل)، وليس في الأصل(ط).
[68] في (ج) و(ف): ((الفوائد)).
[69] قوله: ((فإنه)) ليس في (م).
[70] في (ف): ((فائدة تدل)).
[71] في (ف): ((سبحانه)).
[72] في (م): ((يدرك الجميع)).
[73] في (ج): ((فهو)).
[74] قوله: ((كيف)) ليس في (ف).
[75] زاد في (م) و(ل) و(ف): ((فهذا نص)). وفي (ج): ((فهذا نص وإنما)).
[76] قوله: ((أن)) ليس في (م) و(ف).
[77] في (ف): ((سبحانه)).
[78] في (ط): ((أن الملائكة في الزمنِ الفَرْدِ من أقطار)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[79] قوله: ((لا)) ليس في (ج).
[80] في (ط) و(ل) و(ف): ((بالكتب)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[81] صورتها في (ط): ((الخوص)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[82] في الأصل تصحيفاً: ((فد)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[83] قوله: ((على)) ليس في (م) و(ل).
[84] في (ج) و(ف): ((الزمان)).
[85] زاد في (ج) و(ف): ((من زوجين))، وزاد في (م): ((مزدوجين)).
[86] في (م) و(ل) و(ف): ((يكيف)).
[87] في (ج): ((الحافظين)).
[88] زاد في (ل): ((الله)).
[89] في (ج) و (ل): ((قال الله)).
[90] في (ج): ((أنني)).
[91] في (م): ((إلى)).
[92] قوله: ((وجود نفس)) ليس في (ج).
[93] قوله: ((فهو الكلام فـ)) ليس في (ج).
[94] في (م) و(ل): ((لأن)).
[95] قوله: ((╡)) ليس في (ف)..
[96] في (ج): ((الجهة))، وفي (م): ((للجهة))، وفي (ف): ((جهة)).
[97] في (ج) و(ف): ((تحييز)).
[98] زاد في (م): ((أن)).
[99] في (ف): ((الحفظة)).
[100] قوله: ((تعالى)) ليس في (ف).
[101] قوله: ((وقوةٌ في الإيمانِ، ويترتب عليه الثوابُ الجزيلِ)) ليس في (م).
[102] قوله: ((╡)) ليس في (ف)..
[103] في (ج) و(م): ((وتنزيهه)).
[104] في (ج) و(م) و(ل): ((عليه به)).
[105] في (ج) و(م) و(ل): ((◙ قال)) قوله: ((◙)) ليس في (ف).
[106] في (م): ((باتون)).
[107] في (ط): ((الإشراع)).
[108] في (م) و(ل): ((أو الانتظار)).
[109] في (ج) و(م) و(ل) و(ف): ((وهم)).
[110] في (ج): ((أي)).
[111] في (ط): ((ما زال)).
[112] في (ج): ((صلاته)).
[113] في (ج): ((واحتمل)).
[114] قوله: ((مساء)) ليس في (م).
[115] قوله: ((في)) ليس في (م).
[116] في (ج): ((كانت)).
[117] قوله: ((وإن كانَ قد جاءت روايةٌ ضعيفةٌ؛ أنَّ العربَ تُسمِّي مِنَ الزوالِ إلى الصبحِ مَبيتاً)) ليس في (م).
[118] في (ج): ((الأخيرة)).
[119] قوله: ((الصنعة)) ليس في (م).
[120] قوله: ((في بابِها عندَ)) ليس في (م).
[121] في (ج): ((على)) بدون الواو.
[122] في (ج) و(ل) و(ف): ((المهلة))، وقوله: ((وهي للمُهلَةِ)) ليس في (م).
[123] في (م): ((هدت)).
[124] في (ج) و(ل): ((وأما)).
[125] في (ف): ((تحتمل)).
[126] في (ل): ((تطرق))، وفي (ف): ((ممايطرق)).
[127] في (ج) و(م): ((ولهذا)).
[128] في (ج): ((ليصل)).
[129] في (ج) و(م): ((أحد وجوهها))، وفي (ف): ((وجوهها)).
[130] زاد في (ج): ((ما ورد)).
[131] قوله: ((◙)) ليس في (ف)..
[132] قوله: ((أنَّه ◙ قال:)) ليس في (م).
[133] في (ج): ((بقي)).
[134] في (ل): ((يجيء))، وفي (ف): ((يخبر)).
[135] في (ف): ((ولقد قلنا بما استشهدنا به)).
[136] في (م): ((بقوله)).
[137] قوله: ((الاثنان منفردان)) ليس في (ط).
[138] في (م): ((الزمن)).
[139] قوله: ((لكان)) ليس في (ج).
[140] في (ط): ((نكران)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[141] قوله: ((وهذا على صفةِ العَدْلِ مُحالٌ)) ليس في (م).
[142] في (ج): ((كان)).
[143] في (ط): ((يكتبا)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[144] في (ج): ((ولدليل)).
[145] في (م): ((سيدنا)).
[146] في (م): ((نعقله)).
[147] قوله: ((صلعم)) ليس في (ف)..