بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه

          107- قوله صلعم : (إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ(1) بِطَعَامِهِ...) الحديث. [خ¦2557]
          ظاهر الحديث(2) يدلُّ على الأمر لمن جاءه خادمه بالطعام أن يعطيه ما يأكل منه بذلك القدر المذكور، وهو(3) اللقمة واللقمتان، أو(4) الأكلة والأكلتان، والكلام عليه مِن وجوه:
          منها: هل هذا على عمومه في / كلِّ الأطعمة، وكذلك في كلِّ الخُدَّام؟ وهل الشَّيء المعطَى منه يكون ما ذُكر ليس إلَّا أو(5) غير ذلك؟ ولِمَ أتى بصفتين مِن الطَّعام التي هما: اللقمة والأكلة ولم يخبر بأحدهما؟(6) وهل الأمر بذلك على الوجوبِ أو على النَّدب؟ وهل(7) ذلك في أوَّل طعامه(8) أو في أيِّ وقت أعطاه ذلك(9) حصل المقصود؟ وهل يعطيه مما جاء به ولم يتولَ علاجه أولا يعطيه إلَّا(10) مما يتولى علاجه؟ وما الحكمة في الأمر(11) بذلك؟
          فأمَّا قولنا أوَّلًا(12): هل ذلك الأمر(13) على العموم في كل الأطعمة؟
          فظاهر الحديث يُعطي ذلك لعموم لفظ الحديث، وما يُعرَف مِن عُرْف النَّاس يقتضي أنَّه ليس على عمومه، وإنَّما خرج الحديث مخرج الأغلب من أحوال النَّاس؛ لأنَّ الغالب مِن(14) الأطعمة منها ما يشتهيه الذي يعالجه، ومنها ما لا يشتهيه أحدٌ، وهذا يدركه كلُّ أحدٍ بالعادة المعلومة مِن النَّاس، حتَّى إنَّ بعض النَّاس لا يأكلون بعض الأطعمة أصلًا مرَّة واحدةً ولا يقربونها، ومثل أطعمة المرضى إذا(15) عالجها العبد أو غيره، ما نفسُ أحدٍ تشتهيها أصلًا، وربَّما تعافُ أن تأكله أو تأخذ(16) مِن يد المريض شيئًا، لكن الغالب الطعام الذي يُشْتَهى وهو الذي يُحْمَل الحديث عليه(17)، فإذا كان الطَّعام مما يكرهه العبد ولا أحد بمقتضى العوائد له فيه رغبة، فلا يدخل تحت لفظ الحديث، وربَّما إن حمل السَّيد على العبد(18) أن يأكل منه شيئًا فقد / يؤلمه(19) ولا يجوز له ذلك، لأنَّ(20) الله ╡ يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسعَهَا} [البقرة:286]، والشَّارع ◙ ما قصد هنا إلَّا جبرًا للخادم(21) وإدخال السُّرور عليه.
          وأمَّا قولنا: هل ذلك في كلِّ الخدم(22)؟ فاللفظ يعطي ذلك، فإنَّ عَلِم السَّيد مِن العبد(23) أنَّ ذلك يسوؤه فلا يفعل للعلَّة التي ذكرناها قبل، وإنَّما مراده صلعم ما ذكرنا، ويكون ذلك مِن السَّيد وجهًا محققًا لا تقديرًا(24).
          وأمَّا قولنا في الشَّيء الْمُسَمَّى مِن الطعام: هل ذلك حدٌّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه(25)؟ أمَّا أن ينقص فلا فائدة(26)، فإنَّه لا يحصل الامتثال، وأمَّا الزَّائد فهو المطلوب لأن الإشارة تقتضي الزِّيادة، فإنَّه إذا كانت الواحدة تقتضي الإجزاء(27)، فزيادة التَّخيير في الاثنين، يدلُّ على(28) الإشارة إلى الأكثر إن أمكن.
          وأمَّا قولنا: لِمَ لا أستغنِ(29) بالصِّفة الواحدة مِن الطَّعام التي هي إمَّا اللقمة وإمَّا الأكلة؟ فالجواب: أنَّ الطَّعام على نوعين: مشروب، وممضوغ، فيكون مِن الممضوغ اللقمة أو اللقمتان، ويكون مِن المشروب مثل ذلك المقدار، فاحتاج إلى ذكر اللقمة من الممضوغ(30) ليبين المقدار المجزئ، وعطف الذي هو المشروب عليه ليحصل(31) المثال في القدر المعطَى أيضًا، وهذا مِن إبداع(32) الكلام صلعم (33).
          وأمَّا قولنا: هل الأمر على الوجوب أو(34) النَّدب؟ فاللفظ محتمل، والأظهر أنَّه على / النَّدب؛ لأنَّه ◙ علَّلَه بأنَّه وَلِي علاجه، وتولية علاج العبد طعامَ السَّيد واجب عليه، ومن(35) حقِّ الـمِلك، وما يلزم السَّيد مِن نفقة العبد وكسوته، فقد فعل واجبًا مقابلة واجبٍ، فالزِّيادة على الواجب مندوبةٌ(36)، ولكونه(37) قد خيَّره بين الجلوس معه، وأن يعطيه اللقمة أو اللقمتين، وجلوس العبد مع السَّيد(38) هو مِن طريق(39) التَّواضع، وهو مِن باب المندوب، ولا يقع تخيير بين واجب ومندوب، وإنَّما يقع التَّخيير بين شيئين متماثلين إمَّا في الواجب، أو ضدَّه(40)، فإذا ثبت في أحد المخير بينهما ندب فالآخر مثله.
          وأمَّا(41) قولنا: هل يكون الإعطاء في أوَّل الطَّعام، أو يكون(42) بعده؟ فأمَّا(43) ظاهر اللفظ فإنَّه يُعطي ذلك(44)، لأنَّه قال: (فإنْ(45) لَمْ يُجْلِسْهُ(46) فَلْيُنَاوِلْه)، والجلوس إنَّما يكون أوَّل الطَّعام، فإن عُدم الجلوسُ فبَدَلُه وهي(47) اللقمة، لكن إن لم يفعل ذلك في أوَّل الطَّعام وجعله في أثنائه فقد عمل مندوبًا، إلَّا أنَّه ترك الأفضل، وإنما قلنا ذلك لوجهين(48):
          أحدهما(49) نصُّ الحديث(50)، لأنَّه عطف بالفاء التي تعطي التَّعقيب. ولتعليلِه ◙ أيضًا، بقوله(51): (فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلاَجَهُ) فإذا تولَّى علاجه بقيت النَّفس متعلِّقة به، فالمبادرة بإدخال السُّرور وزوال تعلُّق النَّفس لابدَّ(52) أفضل.
          وأمَّا قولنا: فإن(53) جاء بالطَّعام ولم يكن تولَّى علاجه هل يعطيه أم لا؟ فإن قلنا بظاهر الحديث دون فهم العلَّة، فنقول: لا يعطي(54)، وإن نظرنا إلى العلَّة، / وهي الشَّهوة إلى الطعام، فإن كان الطَّعام(55) مما يُشتهى، فالحكم(56) سواء، يندب إلى الإعطاء منه.
          وأمَّا قولنا: ما الحكمة في ذلك؟ فإنَّها لوجوه(57):
          منها: ما ذكرنا في الوجوه قبلُ مِن تَعَلُّقِ نفس الخادم به.
          ومنها: أنَّه يُعينه بذلك على ما كُلِّف العبد(58) مِن الأمانة في مال سيِّده، لقوله ╕: «والعبدُ راعٍ في مالِ سيِّده، ومسؤولٌ عن رعيَّته»(59)، فإذا أعطاه مِن الطَّعام الذي تعلَّقت به نفسه كان عونًا على أن لا يخون ولا يأخذ مِن مال سيِّده(60) شيئًا وإنْ حرَمَه، فقد تغلبه النَّفس بقوَّة باعث الشَّهوة على الخيانة.
          ويترتب على هذا مِن الفقه، أنَّ كلَّ مَن لك عليه حقٌّ يندب أن(61) تعينه على توفيته، وتكون(62) في ذلك مأجورًا، مثل الابن الذي أُمِر بِبِرِّك تكون تعينه عليه، وكذلك الزَّوجة والأصحاب والجيران، وكلُّ مَن يترتَّب(63) لك عليهِ حقٌّ واجبٌ أو مندوبٌ، وهو(64) مِن باب التعاون على البرِّ والتقوى، وقد ذكر أنَّ قوله تعالى في المكاتبين: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، أن تُحْسِن إليه في أوَّل(65) الكتابة مِن مالِك خلاف مال المكاتبة(66) لأن يستعين بذلك على المكاتبة(67).
          ولوجه آخر: لأنَّه يحصل للخادم به تعلُّقٌ كليٌّ(68) بمجيئه به(69) إلى السَّيد، فيزيده إذًا مِن أجل قوَّة(70)الشَّهوة عليه، لكثرة دوام نظره إيَّاه(71).
          ويترتب على هذا الوجه مِن سدِّ الذَّريعة، أن يكون الطَّعام مستورًا ما أمكن، مِن أجل(72) هذه العلَّة، وزيادة في أوقات / الشِّدَّة، فإنَّ النُّفوس إذ ذاك لها بالطعام تعلُّق كليٌّ(73).
          وفيه دليلٌ على جواز اتخاذ الخادم لكن بشرط توفية(74) حقِّه باطنًا وظاهرًا(75).
          أمَّا الظَّاهر: فمعلومٌ(76) وهو توفية حقوقه على لسان العلم، وأمَّا الباطنَّ: فأن لا تغترَّ(77) النَّفسُ بذلك وترى(78) لها عليه درجةٌ؛ لأنَّه قد جاء: أنَّ العبد لا يزال مِن الله بمكانة حتى يخدمه(79)، فإذا أخدمه وقع الحساب أو الحجاب(80)، وقد قال تعالى: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} [النحل:71]، فأشار إلى أنَّ الفضيلة مِن الله، وفي الحقيقة التَّسوية، لأنَّ الكلَّ عبيد الله(81).
          وفيه دليلٌ على كثرة شفقته صلعم مطلقًا(82)، يؤخذ ذلك مِن نظره ◙ بالشَّفقة في هذا بالعبد والحرِّ؛ لأنَّ نظره ◙ للكلِّ بعين الرحمة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]


[1] قوله: ((قوله صلعم : إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ)) بياض في (م).
[2] في (ج) و(م) و (ل): ((ظاهره)).
[3] في (ج): ((وهي)).
[4] في (ج): ((و)).
[5] زاد في (ل): ((على)).
[6] قوله: ((ولِم أتى بصفتين من الطَّعام التي هما اللقمة والأكلة ولم يخبر بأحدهما)) ليس في (ج) و(م).
[7] في (ل): ((أو هل)).
[8] في (ج): ((طعام)).
[9] قوله: ((ذلك)) ليس في (ج) و(م).
[10] قوله: ((إلا)) ليس في (م)، وبعدها في (ل): ((من)).
[11] في (ج): ((الأمور))، وقوله: ((في الأمر)) ليس في (م).
[12] قوله: ((أولاً)) ليس في (ج) و(م).
[13] قوله: ((الأمر)) ليس في (م).
[14] قوله: ((الغالب من)) زيادة من (م) على النسخ.
[15] في (ج): ((أو)).
[16] في (ل): ((يعاف أن تأكله أو يأخذ)).
[17] في (ط) و (ل): ((لكنَّ الغالب هو الذي يدلُّ الحديث عليه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[18] في (ج) و(م): ((إن حمل صاحب الطعام على الخادم)).
[19] زاد في (م): ((فقد)).
[20] في (م): ((فإن)).
[21] في (ج) و(م) و (ل): ((جبر الخادم)).
[22] في (ج) و(م): ((الخدام)).
[23] في (ج) و(م): ((فإن عُلِمَ من الخادم)).
[24] قوله: ((وإنَّما مراده صلعم ما ذكرنا، ويكون ذلك من السَّيد وجهًا محققًا لا تقديرًا)) ليس في (ج) و(م).
[25] قوله: ((منه)) ليس في (ج).
[26] قوله: ((فائدة)) زيادة من (ج) على النسخ، و قوله بعدها: ((فإنه)) ليس في (ج).
[27] في (ل): ((تقتضي الأخرى)).
[28] زاد في (م): ((أن)).
[29] قوله: ((لا أستغن)) في (ل) ليست واضحة.
[30] قوله: ((من الممضوغ)) ليس في (ل).
[31] العبارة في (ل): ((هو مشروب ليحصل)).
[32] في (ل): ((أبدع)).
[33] قوله: ((وأما قولنا: لم لا استغن...وهذا من إبداع الكلام ()) ليس في (ج) و(م).
[34] زاد في (ل): ((على)).
[35] في (ل): ((عليه من)).
[36] قوله: ((وتولية علاج العبد...فالزيادة على الواجب مندوبة)) ليس في (ج) و(م).
[37] في (ج): ((وكونه))، وفي (م): ((بكونه)).
[38] في (ج) و(م): ((الخادم مع صاحب الطعام)) لكن في (ج) تصحيفاً بدل الطعام ((الطوال)).
[39] في (م): ((باب)).
[40] في (ج) و(م): ((إما في الوجوب أو الندب)).
[41] في (ج): ((وإن)).
[42] في (ل): ((ويكون)).
[43] في (ج) و(م): ((أما)).
[44] في (ج) و(م): ((أوله)).
[45] قوله: ((فإن)) ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى. وفي (ل): ((إن)).
[46] زاد في (م): ((معه)).
[47] في (ل): ((وهو)).
[48] في (ط): ((قلنا من وجهين)) وفي (ل): ((الأفضل وقولنا من وجهين))، والمثبت من النسخ الأخرى.
[49] في (ل): ((أحدها)).
[50] في (ج) و(م): ((لنص الحديث)).
[51] قوله: ((بقوله)) ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى، وبعدها في (ط) و (ل): ((لأنه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[52] قوله: ((لا بد)) ليس في (ج) و(م) وفي (ل): ((ولابد)).
[53] في (ل): ((وإن)).
[54] في (ج) و(م): ((لا يتناوله الحديث)).
[55] قوله: ((فإن كان الطعام)) ليس في (ج).
[56] زاد في (ل): ((الحكم)).
[57] في (ج) و(م): ((فلوجوه)).
[58] قوله: ((العبد)) ليس في (ج) و(م).
[59] قوله: ((في مال سيِّده، لقوله ╕: والعبدُ راعٍ في مالِ سيِّده، ومسؤولٌ عن رعيَّته)) ليس في (ج) و(م).
[60] قوله: ((من مال سيده)) ليس في (ج) و(م).
[61] قوله: ((أن)) ليس في (ل).
[62] في (ج): ((يعينه على توفيته ويكون)) وفي (ل): ((ويكون)).
[63] في (ل): ((ترتب)).
[64] في (م): ((أو هو)).
[65] قوله: ((أول)) ليس في (م)، وبعدها في (ج): ((بالكتابة)).
[66] في (ج) و(م) و (ل): ((الكتابة)).
[67] في (ج) و(م) و (ل): ((الكتابة)).
[68] في (ط) و (ل): ((تعلقاً كلياً)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[69] قوله: ((به)) ليس في (ل).
[70] في (ج): ((بمجيئه إليه فيحصل له إذاً بسبب ذلك من أحد قوة))، وفي (م): ((بمحبته به إليه فيحصل له بسبب ذلك من أجل قوة)).
[71] في (ج) و(م): ((له)).
[72] قوله: ((من أجل)) ليس في (ل).
[73] في (م): ((كبير)).
[74] في (م): ((لكن بتوفية)).
[75] في (م): ((ظاهراً وباطناً)).
[76] في (م): ((فهو معلوم)).
[77] في (ل): ((تغير)).
[78] في (ل): ((ويرى)).
[79] قوله: ((حتى يخدمه)) ليس في (ط) و (ل) والمثبت من النسخ الأخرى.
[80] في (م): ((والحجاب)).
[81] في (ج) و(م): ((لله)).
[82] في (ط) و (ل): ((مطلقة)) والمثبت من النسخ الأخرى.