بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم

          222-قولها(1): (أَنَّ النَّبِيَّ صلعم دَخَلَ عَلَيْهَا، وَحَاضَتْ بِسَرِفَ...) الحديث. [خ¦5548]
          ظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ الحائض تفعل جميعَ أفعال الحج كلَّها إلا الطواف بالبيت، فإنَّها لا تفعله إلا بعد أن تطهر، والكلام عليه مِن وجوه:
          منها: أنَّ فيه دليلًا على أنَّ الطهارة في أركان الحجِّ كلِّها كبرى كانت أو صغرى، فإنَّها ليست بفرض بل هي مستحبَّة إلا الطواف(2) بالبيت فلا يجزئ إلا بطهارة وهي واجبة، يؤخذ ذلك مِن قوله ◙ : (فَاقْضِي مَا يَقْضِي(3) الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) فإذا كانت صاحبة الحَدَث الأكبر تفعله فمِن باب الأحرى بغيرها(4).
          وفيه دليل على فضل هذه السيِّدة، يؤخذ ذلك مِن بكائها خيفة أن يفوتها الحج وذلك بعذر ربَّاني لا كسب لها فيه، فلولا ما كان همها كله الدِّين(5) ما كانت تبكي على هذا، وهي فيه عند الله معذورة.
          وكذلك كان شأن الصحابة رضيَ اللهُ عنهم أجمعين، ما كان همهم(6) إلا في حسن دينهم، وكذلك شأن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ولذلك قال صلعم : «طُوْبَى لمَنْ جَعَلَ همَّه هَمًّا(7) وَاحِدًا» أو كما قال ◙ ، وهو: هَمُّ الدِّين.
          وفيه دليل على أن يحكم(8) على الشخص بما يعلم مِن حاله، يؤخذ ذلك من كون سيدنا صلعم لِمَا يعلم مِن دين هذه السيدة لَمَّا رآها تبكي علم أنَّه مِن أجل الدِّين ولا شيء في الوقت يمكن أن يكون(9) / يُبكيها إلا النِّفاس، فاستفسرها على ما ظَنَّه(10) منها بقوله ◙ : (لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟).
          وفيه دليل على أنَّ حال الشخص وإن عُلِمَ ما هو فلا يُحْكَمُ عليه بالقطع فيما يُظَنُّ به(11) حتى يستفسر عن ذلك، يؤخذ ذلك مِن قوله ◙ : (لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟) بعدما ظنَّ ذلك لِمَا يعلم منها.
          وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون: إنَّ المُنتهِي في(12) السلوك يكون حاله مع مولاه مثل الصبي مع أمِّه، كلُّ شيء رابه بكى(13) عليها لا يعرف غيرها، وذلك دأبه معها، يؤخذ ذلك مِن أنَّها(14) لَمَّا جاءها ما أهمها(15) مِن أمرها(16) بكت على مولاها، ولم تذكر من ذلك للنبيِّ صلعم شيئًا حتى سألها.
          وفيه دليل على بركتها وبركة بيتها، كما قال أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْر(17) عند نزول آية التيمم: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ما نزل بكم شيء إلا جعل الله للمسلمين فيه(18) فرجًا ومخرجًا»(19). فلمَّا أهَمَّها ما جاءها جعل الله للمسلمين فيه فرجًا(20) بأنْ سَنَّ صلعم للمسلمين أنَّ المرأة إذا حاضت لا يتعطَّل(21) عليها من أفعال حجِّها شيء إلا الطواف بالبيت ثم لا يفوتها، لأنَّها إذا طهرت فعلته بعد.
          وفيه دليل لأهل الصوفة لأنَّهم يقولون: مَن بكى صادقًا شفعت فيه دموعه، يؤخذ ذلك مما جاءها(22) إثر بكائها مِن الفرح لها وللمؤمنين مما تقرَّر مِن حكم الحائض في هذا الحديث، وقد قال بعض / أهل الطريق في هذا المعنى:
بالبـاب يبكون والبكـاء إذا                     كـان خَلِيَّـًا مِن النفـاق نَفَـع
تَشفَـعُ فيـهم دموعُهـم وإذا                     شُفِّـع دمـعُ المتيَّميـن شَفَـع
          فبينما هم حيارى مِن اليأس والطمع(23)، سكارى مِن شراب الخوف والجزع، إذْ(24) بزغ لهم قمر السعادة مِن فلك(25) الإرادة في جوانب قلوبهم ولمع، و أُلْبِسُوا مِن ملابس الأُنْس والبسط خِلَع، رَقْمُ العَلَمِ الأيمنِ {سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا(26) الْحُسْنَى} [الأنبياء:101] وَرَقْمُ العَلَمِ الأيسرِ {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَر} [الأنبياء:103].
          وَفِيْهِ دَلِيْلٌ على تعزية(27) المصاب لجريان(28) القدَر، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن قوله صلعم لها: (هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) تعزية لها لِمَا أصابها مِن الحزن على ما توقَّعت فواته مِن أمر حَجِّها.
          وَفِيْهِ دَلِيْلٌ على جواز الأضحية عن أهل الرجل(29) بالبقر وإن كان غيرها(30) أفضل منها في الأضحية، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن قولهم: (ضَحَّى رَسُولُ اللهِ صلعم عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ)(31)، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن كون النَّبيِّ صلعم ضحَّى بها عن(32) أزواجه صلوات الله عليه وعليهم أجمعين(33).
          وفي قولها حين أُتِيَ لها باللحم: (مَا هَذا؟) أنَّ السُّنَّة أن لا يأخذ أحدٌ شيئًا ولا يأكله حتى يسأل عنه، وظاهر هذا الحديث يدلُّ على جواز الأضحية بِمِنَى، وإن كان سُنَّتُهم الهدي وهو أفضل، يؤخذ ذلك مِن كون النبيِّ صلعم ضحَّى هناك عن أزواجه بالبقر.
          وهنا بحث: كيف ضحَّى هناك رسول الله صلعم عن أزواجه / بالبقر والهدي هناك(34) أفضل؟ وضحَّى بالبقر وغيرها أفضل؟، فعلى مذهب مالك ومن تبعه: الضأن أفضل، وعلى مذهب الشافعي ومن تبعه الإبل أفضل، فترك الأفضل من الوجهين معًا.
          فالجواب والله أعلم أنه ضحَّى بالبقر عنهنَّ صلوات الله عليهم أجمعين لوجوه:
          منها: أن يكنَّ هُنَّ قد أَهْدَين عن أنفسهن فيكون ذلك زيادة خير لهنَّ، لكونه ◙ قد أهدى عن نفسه المكرَّمة في تلك الحِجَّة بمئةٍ من الإبل فيكثر لهنَّ خير الآخرة كما كثَّر لنفسه المكرَّمة.
          واحتمل أن يكون هو ◙ فعل ذلك عمَّن كان مات منهن قبل الحجِّ.
          واحتمل أن يكون ◙ أراد تقرير الحكم بأنَّ الأضحية بالبقر جائزة، وأنَّ غيرها في الأضحية أفضل، وبيَّنَ ذلك بفعله، لأنَّه أثبت في الحكم، ولذلك لم يفعل عن نفسه المكرَّمة من أجل أن لا يكون دليلًا على الأفضلية، لأنَّه كان هو صلعم في خاصَّة نفسه المكرَّمة لا يفعل إلا الأفضل.
          واحتمل أن يكون ◙ قصد بذلك التوسعة على أمَّتهِ من أجل أن يكون مَنْ ليس عنده إلا البقر فإذا ضحَّى بها فقد وافق السُّنَّةَ، وقد يكون جاهلًا فيضحِّي بِمِنَى ولا يعلم أنَّ سُنَّتهم الهَدْي وهو الغالب اليوم على الناس، فيكون قد وافق السُّنَّة، واحتمل مجموع ما تأوَّلْنَاه.
          ويترتَّب عليه من الفقه أنَّ المستحبَّ من سُنن هذا الدِّيْن أن يأخذ المرء في أمور دينه كلِّها بالأعلى، فإن عجز أو / كسل أخذ بالْمُجْزِئ ولا يخرج عن دائرة السُّنَّة، وقد وسَّعَ ◙ فيها وقال: «طوبى لمن كانت فترته إلى سنة» جعلنا الله في الدارين منْ سابقيها في الأفضلية بفضله ومنِّهِ.


[1] في (م) و (ج): ((قولها)). كالاصل.
[2] العبارة في (م) و (ج): ((أو صغرى ليست بفرض إلا الطواف)).
[3] في (ج): ((فافعلي ما يفعل)).
[4] العبارة في (م) و (ج): ((فإذا [في (ج): ((فإن)).] كانت بالحدث الأكبر تفعله فمن باب الأحرى بغيره)).
[5] في (ج): ((فلو كان همها كله الدنيا)).
[6] في (م): ((همتهم)).
[7] في (ط): ((طوبى له من جعل الهم هما)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[8] في (ج): ((على الذي يحكم)).
[9] قوله: ((يكون)) ليس في (م) و (ج).
[10] في (ج): ((على ظنِّه)).
[11] في (ج): ((منه)).
[12] قوله: ((المنتهى في)) ليس في (ج).
[13] في (ج): ((يبكي)).
[14] في (ج): ((كونها)).
[15] في (م): ((همها)).
[16] في (ج): ((من دينها)).
[17] في (ج): ((بن حضير)).
[18] قوله: ((فيه)) ليس في(ج) وفي (م): ((فيه للمسلمين فيه فرجا)).
[19] زاد في (م): ((أو كما قال)).
[20] في (م) و (ج): ((فيه للمسلمين فرجًا)).
[21] في (م) و (ج): ((لا يتعذر)).
[22] في (ج): ((مما جاء)).
[23] قوله: ((والطمع)) ليس في (ج).
[24] في (م): ((إذا)).
[25] في (م):((تلك)). وفي (ج): ((ذلك)).
[26] في (م): ((من)).
[27] في (م): ((تصبير)) وفي (ج): ((تصبر)).
[28] في (ج): ((بجريان)).
[29] زاد في (م) و (ج): ((يؤخذ ذلك من قولهم ضحى رسول الله صلعم عن أزواجه بالبقر وفيه دليل على جواز الأضحية)).
[30] في (ج): ((غيره)).
[31] قوله: ((يُؤْخَذُ ذَلِكَ من قولهم ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صلعم عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ)) ليس في (م) و (ج).
[32] في (ج): ((ذلك من كونه صلعم ضحى عن)).
[33] العبارة في (م): ((صلوات الله عليه ورضي عنهن)). وفي (ج): ((صلوات الله عليهم و♥)).
[34] لعلها : ((وهناك)) كما في (المطبوع).