بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم...

          276- قوله صلعم : (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ(1) فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ)(2). [خ¦6766]
          ظاهر الحديث المنع مِن(3) أن يُنسب(4) أحدٌ إلى غير أبيه وَهو يعلم ذلك، وأنَّ مَن فعل ذلك لا يدخل الجنَّة. وَالكلام عليه مِن وجوه:
          منها(5): أن يُقال: هَل هو ممَّن يُخلَّدُ في النَّار؟ / أو كيف(6) يكون حاله؟ وَهل يلحق به النَّاسي والمكرَه(7)(8)، أو لا؟ وهل الذي يفعله لاهياً(9) غير مجدٍّ هل يلحق به أم لا؟ وهل هذا تعبُّد أو لحكمة تُعرف(10)؟ وإنْ كان لحكمة تُعرف(11) فهل يتعدَّى الحُكم لغير(12) هذا، أم لا؟.
          أمَّا قولنا: هل يخلَّد في النَّار مع الكفَّار، أو كيف يكون حاله؟ أمَّا مَن(13) مات عَلى الإيمان فَلا يُخلَّد في النَّار، ويكون معنى الحديث مثل مَا قيل في معنى قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء:93]، قال علماء السُّنَّة: معناه: فجزاؤه(14) _إنْ جازاه_ فيكون هذا كذلك، لأنَّه مَن حُرِّمت عليه الجنَّة فالنَّار مأواه، لأنَّه ليس بعدَ الدُّنيا مِن دارٍ إلَّا الجنَّة أو النَّار.
          ويكون حُكم هذا بمقتضى الشَّريعة التَّخليد في النَّار، فيكون مِن الذين يُخْرِجُهم الله تعالى بشفاعته(15) الجليلة كما جاء في الحديث: «إنَّ اللهَ ╡ يقولُ بعدَما يَشْفَع سيِّدنا صلعم ويرجع إلى النَّار عَن(16) ثلاثِ مرَّات، يُقَال له في(17) أوَّل مرَّة: أخرجْ مَن في قلبهِ(18) ذَرَّةٌ مِن الإيمان، وفي الثَّانية: أدنى ذرَّةٍ(19) مِن إيمان، وفي الثالثة: أدنى أدنى ذرَّةٍ مِن إيمان(20)، فلا يَبْقَى في النَّار إلَّا مَن حَبَسه القرآنُ فيقول الله جلَّ جلاله: شفعت الأنبياء والرُّسل، وشفعت الملائكة، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فيقبضُ الله قبضةً مِن أهل النَّار ممَّن حَبَسَهم القرآن فيُخْرِجُهم بشفاعتِهِ الجليلة، / ويسمَّونَ عُتَقاءَ اللهِ مِن النَّار».
          والَّذين حبسهم القرآن في النَّار هم على نوعين: كفَّار وغير كفَّار، فغير الكفَّار مِثل صاحب هذا الذَّنب الذي في هَذا الحديث، وَمثل الذي في الآية، وهو القاتلُ للمؤمن عَمْداً، ومثل المتلاقِيَيْنِ بسيفيهما، وَما هو(21) في معناهم ممَّا نصَّ الكِتاب أو السُّنَّة(22) عَلى تخليدهم في النَّار، فيكون الجمع بين ذلك بأنْ نقول: إنَّ الكفَّارَ لا يخرجون مِن النَّار أبداً، وَذلك بنصِّ الكتاب والسُّنَّة وإجماعِ علماء المسلمين.
          فتكون الشَّفاعة الَّتي هي مِن قِبَلِ الله ╡ لهذا القسم الثَّاني، ويَصْدق عليهم أنَّهم: ((ممَّن حَبَسَهم القرآنُ)) حقيقةً لأنَّه مَا أخبرت السنَّة به فالكتاب مخبِرٌ به، لأنَّه صلعم لا يَنْطِقُ عَنِ الهوَى، وقد تقدَّم أوَّل الكتاب في هذا بيانٌ شافٍ، وما(23) أَعَدْنا منه هذا إلا لضرورة الموضع(24).
          وأمَّا قولنا: هَل يلحق بالعامد في هذا الحكم: النَّاسي(25) والمكره(26)؟ أمَّا بنصِّ الحديث فيحتمل(27)، وأمَّا ما تقرَّر في الشَّريعة بقوله(28) صلعم : «رُفِعَ عَن أمَّتي خطؤها ونسيانُها وما اسْتُكْرِهُوا عليه» أو كما(29) قال ╕. وذلك(30) يعطي ألَّا يُلحقوا به في وقوع الإثم. والله أعلم.
          وأمَّا قولنا: هل يلحق(31) بهذا الَّذي يفعله(32) غير مجدٍّ؟ لفظ الحديث(33) يعطي العموم، ويزيد ذلك تأكيداً في حقِّ اللاهي(34) قوله صلعم : «إنَّ الرَّجُل ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِن الشَّرِّ يُلهي بها أهلَهُ لا يُبَالي بها(35) يَهْوي بها(36) في / النَّار سبعينَ خريفاً» أو كما قال صلعم. ولوجه آخر مِن جهة الفقه لأنَّه يلعبُ بدين الله ويهزأُ بقول الشَّارع صلعم، وَهذا أعظم الذنوب.
          وأمَّا قولنا: هَل الَّذي يفعل ذلك مع غيره، أي: يَنْسِبُ غيرَه(37) إلى غيرِ أبيه؟ فهذا لَا يدخل تحت هذا الحُكم، وَهو مِن باب القذف، وحُكم القاذف قد تقرَّر بحسب ما عُلم مِن الشريعة، وهو بحيث لا(38) يُجْهَل. فَلا يحتاج إلى بيانه(39).
          وأمَّا قولنا: هل هذا تعبُّد لا يُعقل(40) له معنى، أو هو لحكمة(41) نعرفها؟ فإن قلنا: تعبُّد، فَلا بحث.
          وإن قلنا: لحكمة فَما هي؟ فنقول، والله الموفِّق للصَّواب: لَمَّا خالفَ هذا حُكْمَه(42) سبحانَهُ في عبيده ويترتَّب عَلى ما فعله تحريم مَا أحلَّه الله وتحليل(43) مَا حرَّمه الله، ترتَّب(44) عليه هذا الوعيد العظيم، ولو اعتقد أنَّ ذلك جائزٌ لكان كافراً، بيان ذلك أنَّ(45) الله ╡ يقول: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات:13].
          وحلَّل مِن النَّسب(46) وحرَّم منه مَا شاء _أعني في النِّكاح(47) بينهم حسب مَا يُعرف ذلك مِن أحكام الشَّرع(48)_ وقد تقرَّر العلم به فَلا يحتاج إلى ذكره، فإذا انتسَبَ هَذا إلى غير أبيه فقد أخْرم(49) هذا النِّظام(50) البديع، وحرَّم على نفسه وعَلى غيره نكاحَ مَن قد أحلَّه الله تعالى لَه ولغيره، وحلَّل لنفسه ولغيره(51) مَا قد حرَّمه الله عَليه وَعلى غيره، فإنَّه يتزوج بتلك النِّسبة الَّتي انتسبها ذوي محارمه الحقيقيين، وَهم عليه حرامٌ، وحرَّم(52) عَلى نفسه وَعلى غيره ذوي محارمه الزوريِّين(53) بحسب انتسابه(54)، فيكون حرَّم مِن ذلك ما أحلَّه الله تعالى.
          وأمَّا / قولنا: هَل يتعدَّى(55) الحكم إلى غير هَذا أم لا؟ فحيث وجدنا مَن خالف حكم الله تعالى مثلما فعل هَذا قلنا له: الحكم فيه كالحكم في هذا سواء، لأنَّه بواحدة ممَّا فعل هَذا يكون الخلود في النَّار _أعني مع الاعتقاد_ لقول الله تعالى(56): {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة:85] وبإجماع الأمَّة أنَّ مَن حلَّل واحدة ممَّا حرَّمه(57) الله سبحانه، أو حرَّم واحدة ممَّا أحلَّه الله عَامداً لذلك مستبيحاً لذلك، أنَّه كافِرٌ(58) يُستتاب، فإنْ تاب وإلَّا قُتِل كُفراً.
          وفيه معنى آخر وَهو: سوء أدب العبودية مع الموالِيَّة، لأنَّ حُكم العبودية اتِّباع كلِّ ما أَمَرت به المواليَّة، فالعبد إذا خالف حُكم مولاه وجب أدبه، ولذلك قال بعض أهل التوفيق: أعظم الكرامات الاتِّصاف بأوصافِ العبودية، وامتثال أوامر الرُّبوبيَّة.
          جعلنا الله مِن أهلها بمنِّه(59).


[1] زاد في (ج) و(ت): (أنه غير أبيه)).
[2] في (ب): ((عن سعد قال: سمعت رسول الله صلعم يقول: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)).
[3] قوله: ((من)) ليس في (ج).
[4] في (ب): ((ينتسب)).
[5] في (ج): ((ما)).
[6] في (ج) و(ت): ((وكيف)). وقوله بعدها: ((يكون)) ليس في (ب).
[7] قوله: ((والمكره)) ليس في (ب).
[8] في (ج): ((والمكروه)).
[9] قوله: ((لاهياً)) زيادة من (م) على النسخ الأخرى.
[10] قوله: ((تعرف)) ليس في (ب).
[11] قوله: ((وإنْ كان لحكمة تُعرف)) ليس في (ج).
[12] كذا في (م)، وفي باقي النسخ: ((إلى غير)).
[13] في (ج) و(ت): ((إن)).
[14] زاد في (م): ((جهنم)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[15] في (م): ((لشفاعته)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[16] في (ج): ((على)).
[17] في (ج): ((فمن)).
[18] زاد في (ب): ((مثقال)).
[19] في (ت): ((مرَّة)) كذا في الموضع الآتي.
[20] في (ب): ((من الإيمان)).
[21] قوله: ((هو)) ليس في (ب).
[22] في (ب): ((والسنة)).
[23] في (م): ((بياناً وما))، وفي باقي النسخ: ((بياناً شافياً وما))، والمثبت هو الصواب والله أعلم.
[24] زاد في (ج) و(ت): ((إليه)).
[25] في (م) و(ت): ((الثاني)) والمثبت من (ج) و(ب).
[26] في (ج): ((والمكروه)).
[27] في (ج) و(ت): ((فمحتمل)).
[28] في (ج): ((فبقوله)).
[29] في (م): ((وكما)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[30] في (ب): ((فذلك)).
[31] قوله: ((يلحق)) ليس في (ج).
[32] في (ت) غير واضحة.
[33] في (م) و(ت): ((العموم)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[34] في (ب): ((النهي)).
[35] قوله: ((لا يبالي بها)) ليس في (ت).
[36] قوله: ((بها)) ليس في (ج).
[37] قوله: ((أي: ينسب غيره)) ليس في (ج).
[38] في (ج): ((بحيث وإن)).
[39] في النسخ و(ت): ((بيانه))، ولعل المثبت هو الأولى.
[40] في (ج): ((يحكم)).
[41] قوله: ((هو لحكمة)) ليس في (ب).
[42] في (ج): ((حكم الله)). و في (ب): ((حكمة الله)).
[43] في (ج): ((تحريم الرجل وتحليل)).
[44] في (ب): ((ويترتب)).
[45] في (ج): ((لأن)).
[46] زاد في (ج) و(ت): (ما شاء)).
[47] في (ج) و(ب): ((التناكح)).
[48] في (ب): ((الشريعة))، وفي (ج): ((الشريعة المشرع)). وبعدها في (ب): ((وقد تقرر الحكم..)).
[49] في (ج): ((خرم)) غير منقوطة.
[50] في (ج): ((حرم هذا الطعام)).
[51] قوله: ((ولغيره)) ليس في (ب).
[52] كذا في (م)، وفي باقي النسخ: ((ويحرم)).
[53] في (ب): ((المزورين)).
[54] في (ج): ((انتشاره)).
[55] في (ج): ((تعدى في))، وفي (ت) و(ب): ((تعدى)).
[56] في (ج): ((لقوله تعالى)).
[57] في (ج): ((حرم)).
[58] في (ج): ((أنه كان كافراً)).
[59] زاد في (ب): ((وكرمه)).