بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: أحي والداك؟ قال: نعم.قال: ففيهما فجاهد

          147- قوله: (جَاءَ رَجُلٌ(1) إِلَى النَّبِيِّ صلعم، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الجِهَادِ(2)...) الحديث. [خ¦3004]
          ظاهر الحديث يَدُلُّ عَلَى أنَّ برَّ الوالدين آكدُ(3) مِن الجهاد، والكلام عليه مِن وجوه:
          الأَوَّل(4): إنَّ هذا الآكد ليس على عمومه، لأنَّه إذا كان الجهاد فرضَ / عَيْن لا يُستَأذَن فيه الأبوان(5)، وإنما يُسْتَأذَن فيه إذا كان فرض كفاية فذلك الذي بِرُّهُم فيه آكد(6) مِن الجهاد.
          وفيه دليل على أنَّ(7) الغزو لا يُخْرَج إليه إلا بإذن الإمام، لأنَّ هذا الصحابي ☺ لم يكن ليخرج حتَّى استأذن النبي صلعم : هل يخرج أم لا؟
          الثاني: لقائل(8) أن يقول: لِمَ أمر ╕ لهذا(9) بالجلوس مع الأبوين؟ وأمره بترك الجهاد وهو أعلى الأعمال لقَوْله ╕: «ما(10) أَعْمَالُ البِرِّ في الجِهَادِ إِلَّا كَبَزْقَةٍ في بَحْرٍ»؟
          و(الجواب) عنه(11): أنَّه لم يختلف أحد مِن العلماء أنَّ الجهاد إذا كان واجبًا وجوبًا(12) على الأعيان لا يُستَأذن فيه الأبوان مثل أن يَغْشى العدوُّ قريةَ قوم، فيتعيَّن الجهاد على الكلِّ دون استشارة أحدٍ لأحد، لا ولدٍ لوالد، ولا عبدٍ لسيِّد، وإذا كان الجهادُ فرضَ كفاية فلا يمكن أن يكون إلا برضا الوالدَين، وإلا فَخِدمتُهما(13) أرفع مِن الجهاد بمقتضى الحديث الذي نحن بسبيله.
          الثالث: فيه(14) دليل على أنَّ طاعة العالِم أو العارف لا تكون إلا بمقتضى لسان العلم والترجيح فيها، والأخذ بالأعلى فالأعلى بمقتضى الحال، لأنَّ هذا الصحابي ☺ لَمَّا أراد الجهاد لِما سمع فيه مِن الرغبة وعزَم(15) على فعله، خاف أن يكون هناك فعل أقرب إلى الله تعالى بالنسبة إلى حاله، فسأل النبي صلعم سؤال إرشاد(16) ليتبيَّن / له ما هو الأصلح في حقِّه والأقرب إلى الله تعالى، فذكر له ╕(17) الحديث، ولهذا المعنى أشار أهل المعرفة بِقَوْلِهِم: (طاعة الجاهل شهوة، وطاعة العارف(18) امتثال) يؤيِّد هذا قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء:57].
          الرابع: فيه(19) دليل على جواز العبارة عن الشيء بضدِّه إذا فُهِمَ المعنى، لأنَّ صيغة اللفظ وهو قَوْلُهُ ╕: (فَفِيْهِمَا فَجَاهِدْ) يقتضي على ظاهره إيصال الضرر الذي كان لغيرهما هما أولى به، وليس ذلك المراد، وإنما المقصود(20): ففي برِّهما نَفْسَك فجاهِدْ.
          الخامس: فيه(21) دليل على أنَّ برَّ الأم والوالد على حدٍّ سواء ردًّا على مَن يقول: بأن(22) ثلثي البرِّ للأم، لأنَّه ╕ سَوَّى بينهما في اللفظ، فإن احتجَّ هذا القائل بِقَوْلِهِ(23) ╕ في غير هذا الحديث: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ(24)» فكرَّر الأم ثلاثًا(25) قيلَ(26) له: إنَّما كرَّر النبي صلعم الأمَّ ثلاثًا(27)، لأنَّ العرب كانت تهاب الرجال وتعظِّمهم وتستضعف النساء وتستحقرهن، فأكَّد التكرار في حقَّ المرأة(28) ليرجعوا عن تلك العادة، ويلحق برُّها ببِرِّ الأب على حدٍّ سواء كما نصَّ عليه في هذا الحديث.
          السادس: فيه(29) دليل على أنَّ بِرَّ الوالدين أجلُّ مِن الجهاد ما لم يكن فرضَ عين، لأنَّ الجهاد في وقتٍ ما، وبرُّهما لا ينال إلا بدوام المجاهدة طولَ عمرهما، والجهاد الدائم / أفضل مِن جهاد ساعة، ولهذا المعنى قال ╕: «هَبَطْتُمْ مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ، وهُوَ جِهَادُ النَّفْسِ» لأنَّ الجهاد ساعة من الزمان، وجهاد النفس مستمرٌّ على الدوام.
          السابع: فيه(30) دليل على أنَّ كلَّ ما يُؤْلِمُ النفس يسمَّى جهادًا(31)، لأنَّ الأبوين قد يحمِّلانه ما لا تشتهي النفس، فسمَّاه ╕ لأجل ذلك جهادًا.
          الثامن: فيه(32) دليل على أنَّه لا يبلغ حقيقة رضى الوالدين إلا بالمجاهدة الكليَّة، لأنَّه ╕ جعل الجلوس معهما والامتثال لأمرهما والصبر عليه بمثابة المجاهد في سبيل الله، كيف لا وقد قال تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23] فإذا منع مِن الاستراحة في الجواب(33) بهذا المقدار فكيف لا يكون هذا أكبر مِن الجهاد وأفضل(34)؟ لأنَّ ذلك أشق على النفس وأقوى مِن لقاء العدو ومضاربته(35).
          التاسع: فيه(36) دليل على أنَّ(37) المستشار يَسْأَل عن أحوال المستشير حتَّى يعلمها وحينئذ يشير عليه بما هو الأصلح في حقِّه(38)، لأنَّ النبي صلعم لَمَّا أن استشاره هذا الصحابي هل يخرج للجهاد أم لا؟ سأله عن حاله بقوله(39): (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟) حتَّى علم ما هو الأقرب في حقِّه بالنسبة إلى حاله فأرشده(40) إليه.
          العاشر: فيه(41) دليل على أنَّ الدخول في(42) السُّلوك والمجاهدات السُّنَّة فيه أن يكون / على يد عارفٍ به فيُرشد إلى ما هو الأصلح فيه والأَرشد(43) بالنسبة إلى حال السالك، لأنَّ هذا الصحابي ☺ لَمَّا أن أراد الخروج إلى الجهاد لم يستبدَّ برأي نفسه في ذلك(44) حتَّى استشار مَن هو أعلم منه وأعرف، هذا(45) في الجهاد الأصغر فكيف به في الجهاد الأكبر؟
          وهذا أدلُّ دليل لأهل الصُّوفَة المتحقَّقين(46) الذين لا يدخلون في المجاهدات والسلوك إلا تحت يد شيخٍ عارفٍ بالسلوك، ويقولون: بأن مَن دخل في(47) ذلك دون(48) شيخ قلَّ أن يجيء منه شيء، وإن جاء فلا يصل إلى مقام المربِّي(49) ومعرفته وفطنته، اللهُم إلا إن كان ذلك بخرق العادة، وما كان بخرق العادة فليس الكلام عليه(50)، وإنما الكلام على ما جرت به عادة الحكمة.


[1] في (ج): ((الرابع جاء رجل))، وفي (م): ((يبلغ ما بلغوا عن عبدالله بن عمر يقول جاء رجل)).
[2] زاد في (م): ((فقال أحي والداك فقال نعم قال ففيهما فجاهد)).
[3] قوله: ((آكد)) ليس في (م).
[4] في (ج): ((أحدها)).
[5] في (ط): ((الأبوين)).
[6] في (م): ((الآكد)).
[7] قوله: ((أن)) ليس في (م).
[8] في (ط): ((يخرج أم لا؟ ولقائل)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[9] في (م): ((هذا)).
[10] قوله: ((ما)) ليس في (ط) والمثبت من النسخ الأخرى.
[11] قوله: ((عنه)) ليس في (م).
[12] قوله: ((وجوبا)) ليس في (م).
[13] في (ط) و(ج): ((فخدمتهم)).
[14] في (ط): ((نحن بسبيله. وفيه)). والمثبت من النسخ الأخرى.
[15] في (م): ((الترغيب وعزمه)).
[16] في (م): ((استرشاد)).
[17] زاد في (م): ((هذا)).
[18] قوله: ((العارف)) ليس في (ج).
[19] في (ط): ((أيهم أقرب. وفيه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[20] في (م): ((أو ليس ذلك المراد وأما المقصود)).
[21] في (ط): ((فجاهد. وفيه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[22] في (م): ((خلافا لمن يقول بل)).
[23] في (م): ((لقوله)).
[24] قوله: ((ثم أباك)) ليس في (م).
[25] في (ط): ((مرتين)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[26] في (ط) و(ج): ((فقيل)).
[27] في (ط): ((مرتين)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[28] قوله: ((في حق المرأة)) زيادة من (ج) و(م) على الأصل، وفي (م): ((وأكد بالتكرار...)).
[29] في (ط): ((هذا الحديث. وفيه)). والمثبت من النسخ الأخرى.
[30] في (ط): ((على الدوام. وفيه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[31] في (م): ((جهاد)) والموضع الذي بعده.
[32] في (ط): ((جهاداً وفيه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[33] في (م): ((الاستراحة فالجواب)).
[34] في (م): ((والأفضل)).
[35] قوله: ((لأنَّ ذلك أشق على النفس وأقوى من لقاء العدو ومضاربته)) ليس في (ج).
[36] في (ط): ((ومضاربته، وفيه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[37] قوله: ((أن)) ليس في (م).
[38] قوله: ((المستشير حتّى يعلمها وحينئذ يشير عليه بما هو الأصلح في حقه)) سقط من (ج).
[39] في (ط): ((في قوله)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[40] في (م): ((فأرشد)).
[41] في (ط): ((فأرشده إليه وفيه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[42] قوله: ((الدخول في)) ليس في (م).
[43] في (ط): ((والأشد))، وفي (ج): ((والأيسر))، والمثبت من (م)، وفي (المطبوع): ((والأسدُّ)).
[44] في (م): ((يستأثر برأي نفسه بذلك)).
[45] في (ط) و(ج): ((هذا ما هو)).
[46] في (م): ((المحققين)).
[47] قوله: ((في)) ليس في (م).
[48] في (م): ((بدون)).
[49] في (م): ((المؤمن)).
[50] في (ج): ((فيه)).