بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: ازجروا غلامكم عن أن يصبر هذا الطير...

          216- عَنِ قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ صلعم : نَهَى(1) أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ...) الحديث. [خ¦5514]
          ظَاهِرُ الحَدِيْثِ يَدُلُّ على منع الحيوان كلِّه عاقلًا كان أو غير عاقل مِن أن يُصْبَر للقتل، والكلام عليه مِن وجوه:
          منها: أنَّ مِن السُّنَّة الرفق بجميع الحيوان عاقِلِهِ وغير(2) عاقِلِهِ.
          وَفِيْهِ دَلِيْلٌ على رحمة الله تعالى بعبيده على اختلاف أجناسهم وأنواعهم، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن نهيه صلعم عن أن تُصْبَر بهيمةٌ للقتل(3) أو غيرها(4).
          ومما / يقوي ذلك أنَّهُ جاء: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ العُصْفُورُ مُسْتَجِيْرًا يقولُ: يا ربِّ، سَلْ هَذَا لمَ قَتَلَنِي عَبَثًا» وفي هذين الحديثين دليل على قهر الله سبحانه لجميع خلقه، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن كونه ╡ لم يترك لأحدٍ التصرف في شيء مِن الأشياء دقَّت أو جَلَّت، إلا وقد حدَّ(5) له كيفية التصرف فيه، وأنَّه يحاسبه عليه(6) دقَّ أو جلَّ، جمادًا(7) كان أو غير جماد، عاقلًا(8) أو غير عاقل.
          وَفِيْهِ(9) دَلِيْلٌ على عظيم عدل المولى سبحانه، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن اقتصاصه ╡ للعصفور على دِقَّته مِن العاقل الكبير إنْ قتله لغير منفعة أو صَبَره(10) للقتل.
          وَفِيْهِ دَلِيْلٌ على عظيم إحاطته ╡ بجميع مخلوقاته، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن كونه ╡ لا يخفى عنه(11) مثل هذه على دقَّتِها ويحصيها ويعاقب عليها، ولذلك هي الإشارة بقوله ╡ : {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47].
          وَفِيْهِ دَلِيْلٌ على أنَّ صفاته ╡ ليس كمثلها شيء، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن كون صفة الانتقام مع صفة الرحمة معًا في(12) فعل واحد، لأنَّ القتل دالٌّ على صفة الانتقام، ثمَّ في نفس فعل القتل الرحمة وهو مَنْعُه أن يُصْبَر حيوان(13) عاقلًا(14) كان أو غير عاقل للقتل فرفق به في نفس العذاب والانتقام، وقد قال صلعم : «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ» وصفة المحدَث إذا وقع منه انتقام لا يرحم / فيه شيء، وَوُجِّه أن لو قدر(15) على أكثر لفعل، فبان بمقتضى أحكامه سبحانه بوحيه، أو على لسان رسوله صلعم، لأنَّه(16) ما يحكم(17) إلا عن الله كان بواسطة الملك بالوحي أو مِن تلقاء نفسه بما يلهمه الله ╡ إليه، فالكلُّ عن الله.
          وفي هذا دليل على أنَّ صفاته جلَّ جلاله ليس(18) كمثله شيء: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53] فسبحان مَن تبدَّى بالدليل(19) لذوي البصائر، واحتجب بعظيم قدرته مع إيضاح دلائله عن أهل الجهالة(20) والشقاوة، جعلَنا الله ممن عرَّفه به(21)، ودلَّه به عليه، وتغمَّده في الدارَين برحمته(22).


[1] في (م) و (ج): ((ينهى)).
[2] في (ط): ((أو غير)).
[3] في (ج): ((بهيم لقتل)).
[4] في (م): ((أن تصبر البهائم غيرها)).
[5] في (ج): ((عدَّ)).
[6] في (م): ((على)).
[7] في (ج): ((جمادٌ)).
[8] في (ج): ((عاقلٌ)).
[9] في (م) و (ج): ((وفيهما)).
[10] قوله: ((صبره)) في (م) ليست واضحة. وفي (ج): ((منفعة، وكذلك إن صبره للقتل)).
[11] في (ج): ((عليه)).
[12] في (م) و (ج): ((في)). كالاصل.
[13] في (م) و (ج): ((حيوانا)).
[14] في (ط): ((عاقل)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[15] العبارة في (م) و (ج): ((المحدث إذا وقع منه انتقام لا يرحم ولو قدر)).
[16] في (ج): ((وأنه)).
[17] في (ج): ((وأنه ما يحكي)).
[18] زاد في (م): ((كمثلها شيء وإنه ليس)). وزاد في (ج): ((كمثله شيء وإنه ليس)).
[19] في (م): ((بالدلائل)).
[20] في الأصل(ط): ((الجاهلة)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[21] قوله: ((به)) ليس في (م).
[22] زاد في (م): ((ومنه ويمنه وكرمه)).