بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: أن رسول الله نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع

          218- قوله: (أَنَّ رَسُولَ / اللهِ صلعم نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِن...) الحديث. [خ¦5530]
          ظَاهِرُ الحَدِيْثِ النهي عن أكل كلِّ ذي نابٍ مفترسٍ مِن الطير والسِّباع(1)، والكلام عليه مِن وجوه:
          منها أن يقال: هل هذا النهي نهيُ تحريم أو نهي كراهية؟
          اختلف العلماء في ذلك: فمذهب الشافعي ☼ ومَن تبعه أنَّهُ نهي تحريم، ومذهب مالك ☼ ومَن تبعه أنَّهُ نهي كراهية(2).
          ومنها(3): هل نهيه لعلَّة أو تعبُّد؟ الظاهر أنَّه لعلَّة، لأنَّه لو كان تعبُّدًا لم يكن العلماء ليختلفوا(4) فيه.
          وبقي البحث في العلَّة فنقول والله أعلم: لكونها تأكل الجيف فإنَّها إذا افترست فالذي تفترسه هو(5) جيفة، لأنَّه غير مذكَّى، فيكون شأنها مثل البقر أو الإبل(6) الجلَّالة وهي(7) التي تأكل العَذِرَةَ.
          وقد اختلف العلماء أيضًا في أكل لحمها، فمنهم مَن حرَّمه ومنهم مَن أجازه وهو مالك ومَن تبعه، وأجمعوا أن رجيعها نجس، وكذلك رجيع الطير الذي يفترس نجس بلا خلاف يُذكر فيه.
          لكن زاد هنا عِلَّة صوفية وهي: لعزَّة نفسه وضرره لأهل نفسه ذلَّ حتى لم يصلح(8) أن يكون قوتًا للمؤمنين.
          ويترتَّب عليه مِن طريق تحقيق(9) النظر: مَن عزَّ نفسه فذلك ذلٌّ لها، ومَن ذلَّهَا فقد عَزَّها وممَّا يقوِّي هذا البحث ما جاء عنه صلعم : «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدمَ إِلَّا بِرَأْسِهِ حَكَمة بيدِ مَلَكٍ(10)، فإنْ تواضعَ رفعَ الْمَلَكُ / تلكَ الحَكَمة وقالَ لَهُ: ارْتَفِعْ رَفَعَكَ اللهُ(11)، وإنِ ارْتَفَعَ ضَربَ المَلَكُ رأسَهُ بتلكَ الحَكَمةِ وقالَ لَهُ: اتَّضِعْ وضَعَكَ اللهُ» أو كما قال ◙ .
          فعلى هذا الوجه ظاهر الحكمة في جميع الحيوانات طلب التواضع بينهم وعدم ضرر(12) بعضهم لبعض وهم داخلون تحت عموم قوله تعالى: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[الأنعام:38].
          وفيه إشارة لمن فهم أنْ(13) يَتَّصِفَ بصفةٍ مِن صفات أهل الخير لأنْ(14) يدخل في طريقهم ويُكتب معهم، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن عموم قوله ◙ : (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) فيدخل تحت ذلك: العُقاب والنَّسر والساف وهو أقلُّ مِن الحمام وما يفترِس إلا مثل العصفور الصغير، وقد جمعه ◙ مع العُقاب والنَّسر على قدر كبرهم وقوة تعديهم مِن أجل الشبه الذي بينهم في النابِ والافتراس(15).
          فيدخل تحت ذلك(16) الأسد والهرة والفأرة وما بينهما، ومنهم القوي والضعيف، فكذلك أنت اجعل في نفسك شبَهًا ما بالمُوَفَّقين(17) لعلَّ(18) تلك البركة تشملك(19) معهم مثل ما إذا نودي بإحضار التجار جيء بأصحاب الآلاف و بصاحب الدينار الواحد، فإنْ لم تكن من أصحاب الآلاف فكن صاحب الدينار الواحد.
          لعلَّ الواحد بفضله إذا خلع عليهم خِلَع القرب والرضا يخلع عليك معهم، واحذر أن تتشبَّه بصفةٍ من صفات أهل الشَّرِّ فَتُكْتَب معهم فيلحقك وبَالُهُم، وقد جاء: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ(20)»، فكيف مَن عمل ببعض أعمالهم؟ وقد قال: تشبَّهْ بالقوم، فإنَّ التَّشَبُّهَ بالكرام(21) فَلَاح.


[1] في (م) و (ج): ((ذي ناب من السباع)).
[2] في (ج): ((الكراهية)).
[3] قوله: ((ومنها)) ليس في (م) و (ج).
[4] في (ط): ((يختلفوا)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[5] قوله: ((هو)) ليس في (م) و (ج).
[6] في (م): ((والإبل)).في (ج): ((الإبل والبقر)).
[7] قوله: ((وهي)) ليس في (م) و (ج).
[8] العبارة في (م): ((في أكل لحمها والحالة هذه يكرهه مالك ومن تبعه وأما رجيعها فهو نجس على المعروف وكذلك رجيع الطير المفترس وهنا بحث علة صوفية وهو لعزة نفسه وضرره ذل حتى لم يصلح)). وفي (ج): ((في أكل لحمها والحالة هذه وكرهه مالك ومن تبعه، وأما رجيعها فهو نجس على المعروف ولذلك رجيع الطير المفترس، وهنا علة صوفية وهي لعبرة نفسه وضرره دل حتى لم يصلح قوتا للمؤمنين)).
[9] قوله: ((تحقيق)) ليس في (م) و (ج).
[10] في (ج): ((ما واحد وبني آدم إلا برأسه حكمة بيد مالك)).
[11] في هذا الموضع من (ج) كلمة غير مفهومة.
[12] في (ج): ((الضرر)).
[13] في (م) و (ج): ((لعله)).
[14] في (ج): ((لا أن)).
[15] في (ج): ((العقاب والنسر... الذي بينهم في النابِ والافتراس)) ليس في (ج).
[16] قوله: ((العقاب والنسر.... فيدخل تحت ذلك)) ليس في (م).
[17] في (ج): ((من الموفقين)).
[18] في (م): ((لعلم)).
[19] في (ج): ((البركة تلحقك وتشملك)).
[20] في (ج): ((معهم)).
[21] في (ج): ((التشبُّه بهم)).