بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: أذن في قومك يوم عاشوراء أن من أكل فليتم بقية يومه

          289- قوله صلعم لرجلٍ(1) مِن أسلم: (أَذِّنْ فِي قَوْمِكَ، أَوْ فِي النَّاسِ _يَوْمَ عَاشُورَاءَ_ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ). [خ¦7265]
          ظاهر الحديث يدلُّ على حُكْمَين:
          أحدهما: أنَّ صوم يوم عاشوراءَ يجزىء لمن أمسكَ فيه عَن الأكل والشرب، وإن لم يكن بَيَّتَ صومه مِن اللَّيل، بخلاف غيره مِن الصوم، لقوله صلعم في غير عاشوراء: «لا صَومَ لِمَن لم يُجمِع على الصَّوم مِن اللَّيل» أو كما قال ◙ .
          (والحُكم الثَّاني) أنَّ حُرمته ليست كحُرمة غيره مِن النوافل، بل هو مثل حرمة الفرض، لأنَّ / غيرَه مِن النوافل إذا أكلَ أحدٌ فيه(2) متعمِّداً لا يمسكُ بقيَّةَ يومه، والفرض إذا أكلَ أحدٌ فيه متعمِّداً يُمْسِك بقيَّةَ يومه(3).
          والكلام عليه مِن وجوه:
          منها أن يُقال: هل هذا الحُكم فيه مستصحب إلى هلمَّ جرَّاً، أو ذلك كان في ذلك اليوم، لكونهم لم يكونوا يعلمون حُرمته فيفوتَهم، ولا يكون ذلك بعد بلوغ العلم به؟ أمَّا(4) صومه لمن لم يعلَم(5) إلَّا بعد طلوع الفجر أو الشَّمس، أو علم ونسيَ(6)، ولم يبيِّت صومه، فالظاهر أنه يجوز(7) صومه إذا أمسك ولم يأكل ولم يشرب بعد، والدليل عليه مِن الحديث أنَّه سمَّاه صلعم صوماً، وقد قال بعضهم: إنَّما ذلك حين كان هو الفرض قبلَ فرض رمضان.
          وأمَّا الذي أكل وشرب _وهو عالم_ هل يمسك أَوْ لا؟ موضع خلاف أيضاً، لأنَّ منهم مَن قال: إنَّما ذلك حين كان فرضاً صومُهُ، فكان حُكمه حُكم الفرض، فأمَّا اليوم فلا.
          وأمَّا هل يكون له أجر صومه؟ فكذلك أيضاً مَوضع خلاف، وليس في الحديث ما يدلُّ عليه، لأنَّ قوله صلعم : (مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) احتمل أن يريدَ يتمَّ بقية يومه(8)صائماً أو ممسكاً عن الأكل، فمن جعله صوماً قال: هو فيه مأجور. ومن لم يجعله صوماً قال: ليس له أجر الصوم. وعلى كِلَا(9) الوجهين ثبتت له حُرمةٌ ليست لغيره، لا سيَّما مع قوله صلعم / في صومه أنَّه يكفِّرُ سنةً.
          ومنها: أيُّ يوم هو؟ فقد(10) اختلف العلماء فيه، فقيل: اليوم التاسع وقيل: اليوم العاشر، فمن أراد الخروج مِن الخلاف جمع بين اليومين، لكن ظاهرُ الحديث يدلُّ على أنَّه اليوم العاشر، وكذلك ما نُقل عنه صلعم أنَّ اليوم الذي صامه كان(11) العاشر، وأنَّه صلعم قال: «إذا كانَ _إنْ شاءَ اللهُ_ في السَّنةِ الآتيةِ أصومُ التَّاسعَ». فانتقل إلى كرامة ربِّه ╡ قبل وصوله إليه صلعم.
          وأمَّا قوله: (أَذِّنْ فِي النَّاسِ، أَوْ فِي قَوْمِكَ) الشكُّ هنا مِن الراوي، وهذا ممَّا(12) تكرَّر الكلام فيه مراراً أنه ممَّا(13) يدلُّ على صِدقهم وتحرِّيهم في النَّقل.
          و(أَذِّنْ) بمعنى: أعلِمْ، ويُؤخذ منه الدليل على جواز النيابة في تبليغ العلم، لأنَّ سيِّدنا صلعم استناب هَذا الرجل مِن أسْلَمَ أن يُعْلِم النَّاس عنه.
          ويُؤخذ منه أنَّ مِن السُّنَّة أن يُعظَّم ما عظَّم الله تعالى، مِن أي المخلوقات كان، مِن جماد أو حيوان أو زمان، اتباعاً لحكمة الحكيم، يُؤخذ ذلك مِن تعظيم سيِّدنا صلعم لهذا اليوم، لأنَّه ◙ لَمَّا دخل المدينةَ وَجَدَ اليهودَ يصومونه، فسأل: «لِمَ يصومونه»؟ فأخبروه أنَّه اليومُ الذي نجَّى اللهُ فيه موسى ◙ وغرق(14) فيه فرعون، فقال ◙ : «نَحْنُ أَوْلَى بِأخي مُوسَى»، فصامَهُ وأمرَ بصومه، وكان هو الفرض، حتَّى فُرض رمضان.
          وفيه دليل على أنَّ تعظيم ما عظَّمَهُ / الله تعالى، مِن هذه الأزمنة والأماكن(15)، إنَّما هو بعمل الطَّاعات فيها لله تعالى بحسب مَا تقتضيه الشَّريعة، مع اعتقاد الإيثار له على غيره مِن جنسه.
          وفيه دليل لمن يقول مِن العلماء إنَّ لسيِّدنا صلعم أن يُشرِّع مِن الأحكام ما شاء، وأنَّ ذلك حُكم الله تعالى يجبُ العمل به، وهو الحقُّ. يُؤخذ ذلك مِن أمره ◙ بصوم هذا اليوم، ولم يذكر(16) فيه عن الله شيئاً لأنَّ الأمور التي أَمَر ◙ بها عن الله(17) يخبر أنَّها عن الله، وهذا مستقرَأٌ مِن السُّنَّة.
          وفي قوله ◙ : «نحنُ أَوْلَى بأخي مُوسَى» دليل على أنَّ شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِد عليه نسخٌ في شريعتنا، وَعلى هذا جماعة مِن العلماء، ويقويه(18) قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90].
          وفي ترفيع الله تعالى بعض الأزمنة عَلى بعض، وكذلك الأماكن إلى غير ذلك دليلٌ على عِظَم رحمته ╡ بعباده المؤمنين. يُؤخذ ذلك مِن إرشاد الرسُل ‰ إلى تعظيمها وإلى أعمال البرِّ فيها وزيادة الأجور في ذلك للعاملين. وذلك مثلما قال ◙ في صوم(19) هذا اليوم أنه يكفر السنة الماضية(20).
          فظاهرُ ما قصد منها كثرةُ الأجور والخير لنا، فضلاً مِن الله ونعمة. لله الحمد على ذلك.


[1] في (ب): ((عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلعم قال لرجلٍ)).
[2] قوله: ((أحد فيه)) ليس في (ج)، والمثبت من (ب) و(ت).
[3] قوله: ((والفرض إذا أكل أحدٌ فيه متعمداً يمسك بقية يومه)) ليس في (ج)، والمثبت من (ب) و(ت).
[4] في (ب): ((وأما)).
[5] زاد في (ب): ((به)).
[6] في (ب): ((أو نسي)).
[7] في (ت): ((يجزيه)). في (ب): ((في الظاهر يجزيه)).
[8] قوله: ((احتمل أن يريد يتمَّ بقية يومه)) ليس في (ج)، وقوله: ((بقية)) ليس في (ب)، والمثبت من (ت).
[9] في (ت): ((كل)).
[10] في (ت): ((قد)).
[11] في (ت): ((الذي صام فكان)).
[12] زاد في (ت) و(ب): ((قد)).
[13] في (ب): ((الكلام عليه مراراً مما)).
[14] في (ب): ((وأغرق)).
[15] في (ب): ((أو الأماكن)).
[16] في (ج): ((يكن)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[17] زاد في المطبوع: ((كان)).
[18] في (ت): ((وتقويه)).
[19] في (ب): ((صومه)).
[20] في (ج): ((الآتية))، وفي المطبوع: ((وذلك مثلما قال ◙: صِيَامُ يومِ عاشُوراءَ أَحْتَسِبُ على الله أنَّهُ يُكَفِّر السَّنَّة التي قَبْلَه والسَّنَّةَ التي بَعْدَه. متَّفقٌ عليه)).