بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا

          170- قوله صلعم : (يَأْتِي الشَّيطانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ له: مَنْ خَلَقَ...(1)) الحديث. [خ¦3276]
          ظاهر الحديث الإخبار باستدراج الشَّيطان بكلامه بالحقِّ أوَّلًا، لكي يصل به إلى إلقاء الباطل ليقع بالإصغاء إليه الخلل في الإيمان، وهو أكبر(2) مقصوده، والكلام عليه مِن وجوه:
          منها: ما ذكرنا(3) في الحديث قبل مِن كثرة حيلِهِ علينا واشتغاله بنا.
          ومنها: أيضًا كثرة نصيحة سيِّدنا محمَّد(4) صلعم إلينا، وتنبيهه ╕ على عداوته ومكائده(5).
          ومنها: تعليمه صلعم للنَّاس كيف المخرج منها.
          ومنها: عظيم(6) لطف الله تعالى بنا الذي جعل لنا المخرج من هذا الأمر العظيم بأيسر شيءٍ، وهي الاستعاذة به ╡ (7)، يؤخذ ذلك من قوله ╕: (فَلْيَسْتَعِذْ(8) بِاللهِ).
          وفيه دليلٌ: على أنَّ مولانا جلَّ جلاله منزَّه عن أنْ يكون مِن شيءٍ ولا(9) منه شيءٌ(10)، يؤخذ ذلك مِن قوله ╕ حتَّى يقول: (مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ(11)؟ فَإِذَا بَلَغَهُ(12)، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ)، أي: أنَّ هذا المحال(13)، فليستعذ بالله(14) مِن ذكر المحال، وقد تقدَّم الكلام على هذا في أوَّل الكتاب مِن طريق العقل والنَّقل بما فيه كفاية / فأغنى عن ذكره هنا.
          وفيه دليلٌ: على أنَّ الخَطْرة مِن الشَّرِّ(15) لا يؤاخذ بها، يؤخذ ذلك مِن قوله ╕: (فَإِذَا بَلَغَهُ(16)، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ) أي: إذا استعذتم بالله(17)، فلا تُؤاخَذون بتلك(18) الخطرة ولا تضركم.
          ولذلك قالت الصَّحابة رضوان الله عليهم: إنَّا(19) نجد في نفوسنا ما يتعاظم أحدنا أنْ يتكلَّم(20) به، فقال ╕: «أوجدتموه(21)؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان» أي: في تعاظم الأمر ودفعه، لا في نفس وجوده، وهو ممَّا(22) يشبه هذا المعنى الذي نحن بسبيله.
          وفيه دليلٌ: على أنَّ إغواء العدوِّ لا يكون إلَّا مع الغفلة، يؤخذ ذلك مِن قوله ╕: (فلْيَنْتَهِ(23)) لأنَّه لو كان منتهيًا مستيقظًا لَمَا(24) أصغى إلى قول عدوه، حتَّى استدرجه إلى محض الباطل، ولذلك يذكر عن عيسى ╕(25) أنَّه لقيه اللَّعين، فقال له: قل: لا إله إلا الله، فقال له عيسى ╕: (كلمة حقٍّ ولا أقولها عن(26) أمرك)، هكذا يكون التَّحرُّز من العدوِّ، لأنَّه إذا ثبتت العداوة، فلا يطمع منه في خير أصلًا، وإن كان ظاهر ما يقوله خيرًا، فإنَّه في الضِّمن شرٌّ، وكذلك ينبغي أنْ يتحرَّز(27) مِن أتباعه، فإنَّهم منه ومثله.
          وفيه دليلٌ: على أنَّ الإيمان الكامل لا يكون إلَّا مع الانتهاء عن المنهيات، يؤخذ ذلك
           / من قوله ╕: (ولْيَنْتَهِ(28)) فلو(29) كان كامل الإيمان، كان منتهيًا(30)، وقد نصَّ صلعم على هذا حيث قال: «المؤمن كَيِّسٌ حَذِر فَطِن».
          وفيه دليلٌ: على أنَّ التَّيقظ علامة الخير، وأَنَّهُ(31) لا يكون إلَّا فيمن أراد الله تعالى به الخير، يؤخذ ذلك مِن قوله ╕ (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ ولْيَنْتَهِ)، وقد قال(32) الله تعالى(33): {إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ(34) مِنَ الشَّيطان تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف:201] فجعل ╡ ذلك من صفة المتَّقين، والمتَّقون هم أهل الخير والسَّعادة في الدَّارَين، وقد قال: غَفَلْتُ ومِن غفلتي أُتِيْتُ فليت شعري هل لي مِن غفلتي تيقُّظ(35).


[1] في (ج) و (م): ((فيقول من خلق كذا)).
[2] في (م): ((أكثر)).
[3] في (ج): ((ذكرناه)).
[4] في (ج): ((سيدنا رسول الله)).
[5] في (ج): ((ومعائده)).
[6] في (ج): ((المخرج من هذا الأمر العظيم)).
[7] زاد في (ج): ((وقولنا أبشرا عنى به اللفظ وأما النطق بالاسم الجليل فهو أعظم شيء)).
[8] في (ج): ((فاستعذ)).
[9] قوله: ((من شيء ولا)) ليس في (ج).
[10] قوله: ((ولا منه شيء)) ليس في (م).
[11] زاد في (ج): ((أعني سؤال الشّيطان لبني آدم)).
[12] في (م): ((فعله)) وفي الحاشية: ((بلغه)) وأشار إليها.
[13] في (ج): ((أي وهذا محال)).
[14] قوله: ((أي أن هذا المحال فليستعذ بالله)) ليس في (م).
[15] في (ج): ((البشر)).
[16] في (ج): ((بلغ)).
[17] زاد في (ج): ((تالله سبحانه)).
[18] في (ج): ((فلا تؤاخذ من تلك)).
[19] في (ج): ((عنهم إنَّما)).
[20] في (ج): ((نتكلم)).
[21] في (ج): ((أوجد التوه)) ولعلها تصحيف.
[22] في (ج): ((لأن نفسي وجوده وهو بما)).
[23] في (ج): ((لينتبه)) وفي (م): ((ولينته)).
[24] في (ج): ((منتبها لما)) وفي (م): ((منتهيا لما)).
[25] في (ج): ((عيسى صلعم)).
[26] في (م): ((من)).
[27] في (ج): ((ولذلك ينبغي أن يحترز)).
[28] في (ج): ((ولينتبه)).
[29] في (م): ((ولو)).
[30] في (ج): ((منتبها)).
[31] في (ج): ((على التيقظ على علامة الخير وأنه)).
[32] في (ج): ((ولينتبه وقال)).
[33] زاد في (ج): ((في محكم التنزيل)).
[34] في (ج) و (م) صورتها : ((طيف)).
[35] قوله: ((فليت شعري هل لي من غفلتي تيقظ)) ليس في (ج) و (م).