بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: إن هذا حمد الله ولم تحمد الله

          254- قوله: (عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلعم...) الحديثَ(1). [خ¦6225]
          ظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ السُّنة أنَّه(2) لا يُشمَّت العاطس حتَّى يحمد الله تعالى، ومَن عَطَسَ ولم يحمد الله تعالى فلا يُشمَّت، والكلام عليه مِن وجوه:
          منها أن يُقال: هل التَّشميتُ للعاطس واجب أو مندوب؟ وكيف(3) صفة التشميت، وما معناه؟ وهل هذا(4) مطلقٌ في كلِّ مرَّة، وإن تكرَّر مراراً(5)، أو له حدٌّ محدود؟ وهل(6) هذا لكلِّ عاطس، كان مؤمناً أو كافراً(7)، أو هذا(8) خاصٌّ بالمؤمنين؟.
          أمَّا قولنا: هل هو على الوجوب أو الندب؟ فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فمنهم مَن يقول: إنَّه فرضٌ عَلى كلِّ مَن سمعه، / وهم أهل الظاهر، ومِن علمائنا مَن وافقهم على ذلك. ومنهم مَن قال: هو ندب وإرشاد. ومنهم مَن قال: هو واجب عَلَى الكفاية كردِّ السَّلام وهُم(9) الجمهور.
          وأمَّا قولنا: كيف صِفة التَّشميت؟ فقد جاءت صفته نقلاً عَن(10) النَّبيِّ صلعم، لأنَّه رُوي عنه ◙ أنَّه قال: «إذا عَطَسَ أحدُكُم فَلْيَقُل: الحمَدُ لله. وإذا قالَ: الحمدُ لله(11)، فقُولوا له(12): يَرْحَمُك الله. ويردُّ عليهِ: يَغفِرُ اللهُ لنا ولكم» أو كما قال ◙ . ومنهم من قال: «(13)يَهْدِيكم اللهُ ويُصْلِحُ بالَكُم». ومنهم مَن قال(14): هو بالخيار، لأنَّ اللفظين قد رُويا عن النَّبيِّ صلعم، فبأيِّهما ردَّ فقد وافق السُّنَّة. ومنهم مَن استحبَّ أن يجمع بينهما حتَّى يكون أجمع للخير وخروجاً عَن الخلاف، وَهو الأحسن، والله أعلم. ويُروى التَّشميت والتَّسميت(15) بالسِّين المهملة.
          وأمَّا قولنا(16): ما معنى التَّشميت؟ فهو بمعنى: أبعدَ الله عنك الشَّماتة، وَجنَّبك ما يُشمتُ به عليك. وأمَّا(17) معنى (التَّسميت)؟ فهو بمعنى: جعلك الله على سَمتٍ حَسَن. هذا قول أئمَّتنا.
          وأمَّا قولنا: هل هذا مطلق في كلِّ مرَّة، وإن تكرر العطاس مِن العاطس في الوقت مراراً(18)؟ فالذي عليه الجمهور أنَّ الحدَّ فيه إلى الثالثة أو الرابعة، لأنَّه جاء عنه صلعم أنَّه قال: «إذا عَطَس فَشَمِّتوه ثمَّ إن عَطَس فشمِّتوه(19)، ثمَّ إن عَطَس فشمتوه(20)، ثمَّ إن عَطَس فقُولوا له(21): عافاكَ الله؛ فإنَّه مَضنُوك» أو كما قال ╕. قال راوي الحديث: / لا أدري هل(22) بعد الثالثة أو بعد الرابعة، قال: «فإنَّه مضنوك»، فمِن أجل الشَّكِّ الذي رُوي عن راوي الحديث وقع الخلاف.
          وأمَّا قولنا: هل هذا أمر عامٌّ كان العاطس مؤمناً أو كافراً، أو هو للمؤمن لا غير؟ لا أعرف خلافاً أنَّ(23) التشميت عامٌّ للمؤمن والكافر، غير أنَّ في الكيفية في ذلك وَقعت التَّفرقة بين المؤمن والكافر، لأنَّ الكيفية في تشميت المؤمن كَما تقدَّم الكلام عليها. وَأمَّا للكافر فأنْ يُقال له(24): «يَهديكم الله ويُصلِحُ بالَكم». وهذه الصِّفة هي التي(25) رُويت عن النَّبيِّ صلعم في تشميتِهِ(26) أهلَ الكتاب، لأنَّ اليهود كانوا يستعملون العُطاس بين يديه(27) صلعم رجاءً في دعائه وتشميتهم بـ «يَهْدِيكُم اللهُ ويُصْلِحُ بالَكُم».
          وبقي الخلاف بين العلماء: إذا عطس العاطس فحمِد الله(28)، فسمعه بعض الحاضرين، ولم يسمعه الغير، هل عَلى مَن لم يسمعه حين حمد الله وقد سمع الَّذي سمعه شمَّتَه، هَل يشمِّته(29) تابعاً لذلك، أم لا(30)؟ قولان.
          وفيه دليل على جواز طلب المفضول مِن الفاضل علَّة الحكم وبيانها. يُؤخذ ذلك مِن قوله: «يا رسُولَ اللهِ شمَّتَّ(31) هذا ولم تُشَمِّتني؟».
          وفيه بحث(32)، وهو(33): مَا الحكمة بأن جعل في العُطاس هذه الأحكام المذكورة؟ فإنْ قلنا: تعبُّد، فلا بحث. وإن قلنا: لحكمة، فما هي؟ فاعلم أنَّ(34) أهل المعرفة بطبِّ الأبدان وأدوائها(35) قالوا: العُطَاس فيه منفعة للعاطس(36)، وأنَّه إذهاب داءٍ قد(37) يكون في رأسه، / فعلى هذا فهو مِن جملة النِّعم، وقد تقرَّر مِن(38) قواعد الشَّرع أنَّه ممَّا استُعبِدنا به الشُّكرُ عَلى النعم، وَأعلى الشكر(39) الحمد، فأُمرنا بذلك، فأَنْتَجَت(40) بالوعد الجميل مزيدَ النعماء، وهو الدُّعاء بالخير إثر الحمد، لأنَّ الله ╡ يقول في كتابه: {لَئِنْ(41) شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7]. فتأكَّدت النِّعمة بمزيد الدُّعاء له مِن السامعين لعطسه، ثمَّ تأكَّدت الرَّحمة بالدُّعاء(42) مِن العاطس لأخيه الذي شمَّته، ولنفسه إن شاء(43).
          وفيه تنبيه يدلُّ على لطف المولى سبحانه بعبيده(44)، وهو أن جَعَل المزيدَ هنا بعد الحمد واجباً مشروعاً، ولم يترك ذلك لاختيار أحد مِن عباده، ولا غائباً عنا، حتى لا نعلم هل قُبِل منا؟ فزيد لنا، ولا ما هي الزِّيادة أيضاً؟ حتى يحصل العلم بها، ولا ما هو قدر الزِّيادة؟ وما هو جنسها؟ فَشُرِعت لنا تلك الألفاظ الدالَّة على الخير(45) لمن فهم معانيها وتدبَّرها(46)، لأنَّه إذا قلنا: إنِّ التشميت واجب، كما تقدَّم _وهو الذي عليه الجمهور_ فإذا فعل المكلَّف الواجبَ الذي عليه بشروطه رُجي له القَبول. فَهذا قد دَعا للعاطس بالخير امتثالاً لِمَا بِه أُمر، فهذا دُعاء مرجوٌّ قَبوله.
          فلمَّا كان الأمر على هذا الخير العظيم أُمرَ العاطس أن يدعو للذي أُجرِي له على يديه مزيد الخير لدعائه له بالخير، وأن(47) يدعو هو أيضاً له بخير ثانٍ(48) حتَّى تكون رحمته ╡ عامَّة لعباده(49) إذْ ذاك، وكان الرجاءُ في قبول الدُّعاء الثَّاني مِثلُ الأوَّل سواء.
          ويترتَّب على هذا مِن الإرشاد: أنَّه إذا استشعر أحدٌ مِن العبيد / موطناً يكون فيه خير(50)، أو رجاء في وجه مِن وجوه الخير، أن(51) يُكثِرَ فيه بالدُّعاء لنفسه ولوالديه وأقاربه وأصحابه وإخوانه المؤمنين، فإنَّ لله نفحات، إذا وُجدت سَعِد بها عالم كثير، جعلنا الله ممَّن تعرَّض لها وأصابها، وممَّن أجزل له نصيبه منها بتعرُّضٍ وبغيره، فإنَّه وليٌّ حميد.
          وفيه دليل على عظيم النعمة على العاطس(52). يُؤخذ ذلك ممَّا رتَّب(53) عليه مِن هذه الأحكام والخير، فصار(54) عَلَماً على ذلك.
          وفيه إشارة إلى عظيم فضل الله تعالى ورحمته، لأنَّه ╡ رحم عبدَه بأنْ أذهب عنه ذلك الضُّرَّ(55) الذي كان به بنعمة العطاس، ثمَّ ثنَّاها بمشروعية الحمد له، ثمَّ أتبعها بدعاء(56). وهذا كلُّه في لمحة واحدة، نِعَمٌ متوالية(57) في أيسر زمان بلا موجب عليه إلَّا بمجرد الفضل، بدءاً منه برحمته سبحانه، وكذلك الخير المذكور تمامه منه(58).
          تنبيه: في أحكام الحديث وفيما أشرنا إليه مِن التنبيهات وَغير ذلك، إذا نظرتها بقلبٍ له بصيرة حصل لك به(59) مِن قوَّة الإيمان مَا لا يحصل بعبادة أيَّام عديدة، وَدَاخل(60) قلبك ولحمك وَدمك مِن حبِّ الله تعالى الَّذي قد أعدَّ لك مِن هذا الخير(61) مَا لم يكن لك في ظنٍّ وَلا علم، ومِن حبِّ رسول الله صلعم الَّذي كان معرفة هذا الخير على يديه، ما لا يُقَدَّر قَدْره، وكذلك الحبُّ في عِلم سنَّته ◙ ، وزيادةُ / ذرَّةٍ(62) مِن هذا خير مَا(63) عداه مِن الأعمال.
          جعلنا الله لنعمه مِن الشاكرين بمنه(64).


[1] في (ب): ((عن أنس بن مالك يقول: عطس رجلان عند النبي صلعم فشمَّت أحدهما ولم يشمِّت الآخر، فقال الرجل: يا رسول الله شمَّتَّ هذا ولم تشمِّتني! فقال: إنَّ هذا حمد الله ولم تحمد الله)).
[2] في (ب): ((أن لا)).
[3] في (م) و(ت): ((كيف)) والمثبت من (ج).
[4] في (ب): ((منها أن يقال: ما التشميت وما معناه ومنها هل هذا)).
[5] في (ب): ((وإن تكرر هذا مراراً من العاطس)).
[6] في (ب): ((ومنها هل)).
[7] قوله: ((أو له حدٌّ محدود؟ وهل هذا لكل عاطس، كان مؤمناً أو كافراً)) ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[8] في (ج) و(ت): ((هو)).
[9] في (م): ((وهو))، والمثبت من النسخ الأخرى. و في (ب): ((وهم جمهور أهل السنة)).
[10] في (ج): ((من)).
[11] قوله: ((وإذا قال الحمد لله)) ليس في (ج).
[12] قوله: ((له)) ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى. و في (ب): ((فليقل له)).
[13] زاد في (ب): ((يرد عليه)).
[14] قوله :((قال)) ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[15] في (ب): ((وقد جاء بدل التشميت التسميت)).
[16] قوله: ((قولنا)) ليس في (م)، والمثبت من النسخ الأخرى.
[17] زاد في (م): ((ما)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[18] في (ج): ((مرار)).
[19] في (م): ((شمتوه))، والمثبت من النسخ الأخرى، وكذا في الموضع الذي بعده.
[20] قوله: ((ثم إن عطس فشمتوه)) ليس في (ج).
[21] قوله: ((له)) ليس في (ج) و(ت).
[22] قوله: ((هل)) ليس في (ب).
[23] في (ب): ((فإن)).
[24] في (ب): ((وأما الكافر فأن يقال)).
[25] في (ج): ((وهذه الصيغة التي))، وفي (ب): ((وهذه الصفة التي)).
[26] في (ت) و(ب): ((تشميت)).
[27] في (ب): ((يدي النبي)).
[28] في (ج): ((فحمد)).
[29] زاد في (ب): ((هو)).
[30] قوله :((لا)) ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[31] في (ج): ((فشمت)).
[32] في (ج): ((حم)).
[33] زاد في (ب): ((أن يقال)).
[34] في (م) و(ب): ((أنه)) والمثبت من (ج) و(ت)، وعبارة (ب): ((أنه لم يختلف أحد ممن له معرفة)).
[35] زاد في (ج) و(ب): ((أن))، وقوله بعدها: ((قالوا)) ليس في (ب).
[36] في (ت): ((للعطاس)).
[37] قوله: ((قد)) ليس في (ج) و(ت)، وفي (ب): ((لداء قد)).
[38] في (ب): ((في)).
[39] زاد في (ب): ((هو)).
[40] في (ج) و(ت): ((فأنتج)).
[41] في (ج): ((ولئن)).
[42] قوله :((الدُّعاء له مِن السامعين لعطسه، ثم تأكدت الرحمة بالدعاء)) ليس في (م). قوله: ((له مِن السامعين لعطسه، ثم تأكدت الرحمة بالدعاء)) ليس في (ج) و(ت)، والمثبت من (ب).
[43] في (ب): ((إن شاء الله)).
[44] في (ج): ((بعبده)).
[45] زاد في المطبوع: ((العميم)).
[46] قوله :((ولم يترك ذلك لاختيار أحد... الدالة على الخير العميم لمن فهم معانيها وتدبَّرها)) زيادة من (ب) على النسخ الأخرى.
[47] كذا في (ب)، وفي باقي النسخ: ((أن)).
[48] قوله: ((بخير ثان)) ليس في (ب).
[49] في (ب): ((بعباده)).
[50] في (ج) و(ت): ((خيراً)).
[51] كذا في (م)، وفي باقي النسخ: ((من وجوهه أن))، وبعدها في (ب): ((يكثر فيه الدعاء..)).
[52] كذا في (ب)، وفي باقي النسخ: ((عظم نعمة العاطس)).
[53] في (ب): ((ترتب)).
[54] في (ب): ((فصارت)).
[55] في (م): ((الضرر)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[56] زاد في (ج) و(ب): ((خير بعده دعاء خير)). زاد في (ت): ((خير)).
[57] في (ب): ((متواليات)).
[58] في (ج): ((سبحانه والمذكور الخير كذلك تمامه منه)).
[59] قوله: ((به)) ليس في (ج).
[60] في (ب): ((ودخل داخل)).
[61] زاد في (ب): ((العظيم)).
[62] قوله :((ذرة)) ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[63] في (ج) (ت): ((مما)).
[64] في (ب): ((وزيادة ذرة من هذا خير من قناطير مقنطرة من الأعمال المقبولة بلا خلاف في ذلك بين أحد من علماء أهل التوفيق والاتباع للسنة والسنن أعاد الله علينا من بركاتهم وجعلنا لأنعمه من الشاكرين بمنه وكرمه)).