بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

باب ما قيل في الرماح

          140- قوله: (عَنِ(1) النَّبِيِّ صلعم : جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي(2)...) الحديث. [خ¦56/88-4564]
          ظاهر الحديث يَدُلُّ عَلَى أنَّ رزقَ النَّبيِّ صلعم تحت ظلِّ رمحه، وأنَّ الذِّلَّةَ والصَّغَارَ واقعان(3) بمَن خالف أمره ◙ ، والكلام عليه مِن وجوه:
          الوجه(4) الأَوَّل: أنَّ المخالفة المذكورة في الحديث هل هي عامَّة أو خاصَّة(5)؟ ظاهر اللفظ(6) يفيد العموم وذلك موجود حِسًّا؛ لأنَّ مَن خالف أمره ╕ مِن كلِّ الجهات وهم الكفار، أوجب لهم ذلك ذلَّة القتل أو إعطاء الجزية وهم صاغرون، ومَنْ خالفَ في بعضٍ واتَّبَعَ في بعضٍ(7) كالمؤمنين مِن أهل البِدَع والمعاصي، أوجب لهم ذلك ذلَّة العقوبة مِن الحدِّ وغيره وكراهية النَّاس لهم، وأمَّا مَن اتبع أمرَه ╕ في كلِّ الأحوال مِن فِعْلٍ ومقالٍ، فقد ناله العِزُّ في الدُّنيا والآخرة، وارتفع عنه الذِّلَّ، مثل العلماء العاملين والصَّالحين المتَّبعين، نالهم العزُّ في الدُّنيا والآخرة(8)، حتَّى إنَّ الملوك / وأبناء الملوك يأتون في خدمتهم راجين(9) بركة رؤيتهم، ونالهم العزُّ في الآخرة بما أُعطوا من الشَّفاعة في(10) غيرهم، عدا ما ادُّخِر لهم مِن أنواع الكرامات، ومِن خدمة الملائكة لهم وسكناهم في(11) جوار ربِّهم.
          الوجه الثَّاني: لقائل أن يقول: لِمَ قال ╕: (جُعِلَ(12) رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي) ولم يقل: في(13) سِنان رمحي، ولا في غيره من السِّلاح؟ والجواب عنه مِن وجوه:
          الأَوَّل: إنَّ السِّنَان إنَّما جُعِل لقتل الأعداء الذين هم أرباب الأموال، فإذا قُتلوا بسنان الرِّماح بقيت أموالهم تحت ظلال رماح المسلمين وهي الغنائم، وقد أُحلَّت بخلاف النَّبْل والسَّيف، فإنَّه عند ضرب العدوِّ، لم يَبْقَ لأحدهما ظلٌّ حتَّى تكون الغنيمة تحته(14).
          الثَّاني(15): أنَّ رايات العرب كانت في أطراف الرِّماح، ولا تكون إقامة الرِّماح(16) بالرَّايات إلَّا مع النَّصر والظُّهور، وقد نصره الله ╡ بالرُّعب أمامه شهرًا، فأحلَّ له ما أوجَف عليه(17) بالخيل، وما أتاه مُذْعِنًا بالرُّعب؛ لأنَّه مِن خوف الرُّمح أتوا فهم(18) تحت ظلِّه.
          الثَّالث: أنَّ(19) السِّنان جعله ╕ للجهاد، وهو أكبر الطَّاعات فَجُعِلَ له(20) الرِّزق في ظلِّه(21) _أي: في ضمنه_ وإن كان لم يقصده، فالطَّاعة وامتثال(22) الأمر هي الجالبة للرِّزق، يؤيِّد هذا التَّوجيه الكتاب والسُّنَّة.
          أمَّا الكتاب فقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا(23) لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132]. /
          وأمَّا السُّنَّة فقَوْلُهُ ╕: «لا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِطَاعَةِ اللهِ»، وقَوْلُهُ ╕: «تَكَفَّلَ اللهُ بِرِزْقِ طَالِبِ العِلْمِ»، وهو ╡ قد تكفَّل بأرزاق الكلِّ، لكن لمَّا أن(24) اشتغل هذا بطلب العلم عن التَّكسُّب، أتاه رزقه مِن غير تعب ولا تسبُّب.
          وهنا إشارةٌ لطيفةٌ مُرَغِّبَةٌ في الاتِّباع، وترك الالتفات لِمَا يطرأ على البشريَّة وما يعرض لها في حال الاتباع(25)، لأنَّه لمَّا أن جادوا بما طُلِب منهم في الجهاد مِن بذل الكريمة، ولم يُبالوا بها أُبدِلوا منها في الدَّارين أعلى منازلهما(26)، ففي(27) الآخرة ما جاء عنهم أنَّهم: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169]، وأنَّهم تحت ظلِّ العرش يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، وما أُنيلوا مِن الشَّفاعة، إلى غير ذلك مِن الآي والأحاديث التي جاءت بالنَّصِّ في(28) رفع منزلتهم(29)، وفي هذه الدَّار أُحِلَّت لهم الغنائم على اختلافها، كما قال تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا}[الأحزاب:27]، وأُنِيْلُوا العزَّ وهو النَّصر والظُّهور، وهو أعلى منازل هذه الدَّار، فإذا كان هذا في الجهاد الأصغر، فكيف به في الجهاد الأكبر؟ ولذلك قال تعالى في الجزاء على بعض أفعالهم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[السجدة 17].
          ولأجل هذا المعنى أخذ أهل الصُّوفيَّة(30) في الاتِّبَاع في كلِّ اللحظات(31)، وتركوا الالتفات للعوارض، ولِما يطرأ مِن التَّغييرات، فلم / ينظروا إلى الرِّزق ولم يفكروا فيه، واشتغلوا بما هم عليه قادمون(32)؛ لأنَّ العبد مطلوبٌ والرِّزق طالبٌ ومضمونٌ، فلا يشتغل بالمضمون عن المطلوب، ثمَّ زاد هذا(33) الحديث تأكيدًا لهذا المعنى، إذ الطَّاعة تُيَسِّرُ الرِّزقَ وتسوقه، ولهذا المعنى(34) يقول بعض الفضلاء: إذا التفت المريد إلى رزقه، أحسن الله له العزاء في طريقه، والله المستعان.


[1] في (م): ((عن ابن عمر عن)).
[2] في (م): ((جعل رزقي في تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري)).
[3] في (ط) و (ل): ((واقع)) والمثبت من النسخ الأخرى، و بعدها في (م): ((على من)).
[4] قوله: ((الوجه)) ليس في (ج) و (م).
[5] قوله: ((خاصة)) في (ل) مكانه بياض.
[6] في (م): ((الحديث)).
[7] قوله: ((واتبع في بعض)) ليس في (ج) و (م).
[8] قوله: ((والآخرة)) ليس في (م) و (ل).
[9] زاد في (م): ((بركتهم أي)).
[10] في (ط): ((من)).
[11] قوله: ((في)) ليس في (ل).
[12] في (م): ((أن يقول لم جعل)).
[13] قوله: ((في)) ليس في (م).
[14] قوله: ((عنه من وجوه: الأَوَّل: إنَّ السِّنَان... ظلٌّ حتَّى تكون الغنيمة تحته)) ليس في (ج) و (م).
[15] قوله: ((الثاني)) ليس في (م).
[16] في (م): ((لا تكون إقامة الرمح)).
[17] قوله: ((عليه)) ليس في (م).
[18] في (ج): ((فهو)).
[19] في (ج) و(م): ((تحت ظله وأيضا فإن)).
[20] في (م): ((لها)).
[21] في (ج): ((طلبه)).
[22] في (م): ((فامتثال)).
[23] قوله: ((أمَّا الكتاب فقوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)) ليس في (ج).
[24] قوله: ((أن)) ليس في (م) و (ل).
[25] قوله: ((وترك الالتفات لما يطرأ على البشريَّة وما يعرض لها في حال الاتباع)) ليس في (م).
[26] في (م): ((منازلها)).
[27] في (ج): ((في)).
[28] في (ل): ((على)).
[29] في (م): ((رفع درجتهم ومنزلتهم)).
[30] في (ج)و (م) و (ل) : ((الصُّوفَة)).
[31] في (م): ((الخطاب)).
[32] كذا في (ج)، وفي (ط) و (ل): ((قادمين)). في (م) كالمثبت.
[33] قوله: ((هذا)) ليس في (ج)، وفي (م): ((لهذا)).
[34] قوله: ((إذ الطاعة تُيَسِّرُ الرِّزقَ وتسوقه، ولهذا المعنى)) ليس في (ج).