بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما عليها ولها

حديث: من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزى...

          258- قوله صلعم : (مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ(1) وَالعُزَّى...) الحديثَ(2). [خ¦6301]
          ظاهر الحديث يدلُّ على حكمين:
          أحدهما: أمره صلعم أنَّ مَن قال في حلفه: باللَّات(3) وَالعزَّى أنَّ تكفير ذلك أن يقول: لا إله إلا الله.
          والثاني: أنَّه(4) مَن قال لصاحبه: تعالَ أُقَامِرك فليتصدَّق، فذلك كفَّارته، والكلام عليه مِن وجوه:
          منها أن يُقال: هل(5) أمْرُهُ ╕ لمن حلف باللَّات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله خاصٌّ بهذه اللفظة، أو(6) عامٌّ في كلِّ مَن حَلَف بصنم مِن الأصنام، أو شيء(7) مِن الطواغيت، وما في معناها؟
          وكذلك لمن قال لصاحبه: تعال أُقَامِرك، هل الأمر بالصَّدقة لقائل هذا اللَفظ ليس إلَّا، أو هذا هو الحكم في كلِّ مَا هو في معنى هذا(8) وطريقه؟ وهل هذا تعبُّد، أو لحكمة(9) في ذلك معقولة المعنى؟ وهل الأمر بهذين الأمرين(10) عامٌّ فيمن قالها معتقداً أو غضباناً(11) / أو خطأً عَلى حدٍّ سواء، أو بينهما فرق؟.
          أمَّا قولنا: هل هذا خاصٌّ بمن ذكر في يمينه اللَّات وَالعزَّى(12)، أو هو عامٌّ في كلِّ مَن حلف بشيء مِن الطواغيت أو مَا(13) في معناها؟ ظاهر اللَّفظ(14) يقتضي أنَّه خاصٌّ به، وما يُفهم مِن معناه. ومَا جاء عنه ╕ في غير هذا الحديث يقتضي تعدِّي الحكم إلى أنَّه مَن كان(15) حلفه بشيء مِن الطواغيت أو الأصنام التي تُعبَد مِن دون الله أو ما في معنى ذلك أن يقول صاحب هذا القول(16): لا إله إلا الله، فإنَّ ذلك كفَّارة لِمَا قال، لأنَّه(17) مِن جهة المعنى قد تلفَّظ بما يشبه الرِّدَّة، فإنَّ الحالف بشيءٍ هُو معظِّم(18) له.
          فهذا قد عظَّم شيئاً سوى الله، على(19) نحو ما يفعله الكفَّار(20)، فينبغي له أن يُظهر إبطالَ مَا قال، وتحقير(21) ما عظَّم، بأن يعلن بقول(22): لا إله إلا الله. فكأنَّ(23) إعلانه بِها رجوع إلى الإسلام، وتَوبةٌ مِن ذلك الخلل الذي ظهر منه(24)، ومَا في معناه كذلك ينبغي الحكم فيه، وقد جاء ذلك نصَّاً عنه صلعم وَهو قوله ╕: «مَن قال: هو(25) يَهُوديٌّ أو نَصْرانيٌّ، فليقلْ: لا إلهَ إلا الله» أو كما قال ╕، وكذلك يلزم في كلِّ مَن قال عن(26) نفسه إنَّه على دين غير دين(27) الإسلام، الحكم كالحكم سواء، مثل أن يقول: إنَّه(28) مجوسيٌّ أو غير ذلك ممَّا يشبهه، لأنَّها(29) ردَّة في الظَّاهر، فينبغي الرُّجوع عنها بإظهار كلمة الإخلاص.
          وكذلك البحث عَلى قولنا: هل أمره بالصَّدقة خاصٌّ بمَن قال لصاحبه: تعال أُقَامرك؟ / لأنَّ ظاهر اللفظ يقتضي(30) أنَّ هذا حكم هذا القائل، وإن نظرنا إلى المعنى عدَّينا الحكم حيث وَجدنا العلَّة، لأنَّ قول الشَّخص لصاحبه: تعالَ أُقَامرك(31)، أي: نأكل أموالنا بيننا بالباطل عَلى وجهٍ حرام، فحيثما وَجدنا هذه العلَّة عدَّينا الحكم عَلى المعروف مِن عادة الفقهاء في ذلك.
          وبقي بحث وهو: هل(32) الأمر بالصَّدقة هنا على طريق النَّدب أو على طريق الوجوب؟ أمَّا على مذهب مالك ومَن تبعه فإنَّ الصَّدقة عَلى طريق النَّدب، لأنَّ قاعدة مذهبه أنَّ كلَّ أمرٍ أُمِر به لم نجده(33) محدوداً بالكتاب والسُّنَّة فإنَّه مِن باب النَّدب، مثل الأمر بالمتعة لمَّا أَمَر بها مولانا سبحانه في كتابه(34) ولم يحدَّها، وَلا وُجِد في سُنَّة نبيِّه صلعم لها حدٌّ، حملها مالك ومَن تَبِعه على النَّدب، وكذلك كلُّ ما(35) أُمِر به ولم يُحَدَّ فيه شيء، مثل هذه الصَّدقة وما في معناها. ومذهب بعضهم في ذلك(36) حَمْلُهُ على الوجوب على قاعدة مذهبهم، وَكذلك قالوا(37) في المتعة(38): إنَّها عَلى الوجوب، ويُجزئ فيها أقلُّ الأشياء، لأنَّ ذلك قاعدة مذهبهم.
          وأمَّا قولنا: هل الأمر عامٌّ فيمن قالها متعمِّداً أو حَرجاً أو غالطاً؟ فالَّلفظ يُعطي(39) العموم، لكنْ بينهما(40) فرقٌ، أمَّا مَن قالها متعمِّداً معتقداً لذلك فيجب عليه أن يدخل في الإسلام لخروجه منه بما جرى، ويجدِّدَ التوبة مِن ذلك عَلى ما قد / بيَّنَّا(41)مِن حدود التوبة قبلُ في غير مَا حديث، فإن كان غضباناً أو غالطاً فينبغي له قول مَا أُمر به أو فعله، هذا هُو الظاهر، ولا ينبغي تخصيص لفظ الحديث بغير مخصِّص.
          وفيه دليل على الأخذ بسدِّ الذَّريعة في غلق باب الشيء حتَّى لا يقع مِن المؤمن شيءٌ ينافي الإيمان والإسلام(42)، لا بقولٍ ولا بفعل، ولا يسامح في ذلك بشيء، وممَّا يؤكِّد(43) هذا قوله صلعم : «لا تَشَبَّهُوا(44) بأهل الكِتَاب» وقوله ╕: «ثلاثَةٌ يُبْغِضُهُم اللهُ»، وعدَّ فيهم «مَن استَنَّ في الإسلامِ بسُنَّة(45) الجاهليَّةِ» أو كما قال ◙ ، وقوله ╕: «إنَّ الرَّجُل ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِن الشرِّ لا يُبَالي بها، يَهْوي بها في النَّار سبعين خريفاً» أو كما قال ╕. والأثر في ذلك كثيرة(46) ومجموع ذلك يدلُّ على أن يحفظ(47) المؤمن نفسه ممَّا يخالف دينه، جِدًّا وقعَ ذلك منه أو هزلاً.
          وفي هذا دليل لأهل السلوك لأنَّهم مَنَعُوا أنفسهم مِن الأخذ بالمباح(48)، وجعلوا ذلك حماية بينهم وبين المكروه، فَدَتْهُم(49) النُّفوسُ مَا أَعْرَفَهُمْ بها وأَكْثَرَ اهتِمامَهُمْ بالدِّين وطرق(50) النَّجاة، وقد قيل: نفسَكَ فَرُضْها وعلى طريقِ الخير(51) فاحْمِلْها، ولا تَغْفل عَن سياستها، فالغَدْرُ مِن شأنها.


[1] في (ج): ((اللات)).
[2] في (ب): ((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلعم : من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق)).
[3] في (ج): ((اللات)).
[4] في (ت): ((أنَّ)).
[5] قوله: (هل)) ليس في (ج)، و قوله: ((أن يقال)) ليس في (ب).
[6] في (ب): ((هل هذا خاص بهذه أو)).
[7] في (ج) و(ت): ((بشيء)).
[8] في (ج) و(ت): ((في معناه)).
[9] في (ت): ((الحكمة)).
[10] قوله: ((الأمرين)) ليس في (ب).
[11] في (ج): ((غضباً)).
[12] زاد في (ج): (أن يقول لا إله إلا الله))، وبعدها في (ب): ((أم)).
[13] زاد في (م): ((هو)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[14] في (ب): ((لفظ الحديث)).
[15] قوله: ((كان)) ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[16] قوله: ((القول)) ليس في (ب).
[17] في (م): ((فإنه)) والمثبت من النسخ الأخرى.
[18] في (ت): ((المعظم)).
[19] قوله: ((على)) ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[20] زاد في (ب): ((بالله تعالى)).
[21] في (ب): ((ويحتقر)).
[22] في (ب): ((بقوله)).
[23] في (ت): ((وكأنَّ)).
[24] قوله: ((منه)) ليس في (م) والمثبت من النسخ الأخرى.
[25] قوله: ((هو)) ليس في (ج) و(ب).
[26] في (ت): ((في)).
[27] قوله: ((غير دين)) ليس في (ج).
[28] في (ب): ((هو)).
[29] في (ب): ((فإنها)).
[30] في (م): ((فيقتضي)) والمثبت من (ج). وفي (ب): ((وكذلك البحث على قولنا أقامرك فأما ظاهر اللفظ فيقتضي)).
[31] قوله: ((لأنَّ ظاهر اللفظ يقتضي...لصاحبه: تعالَ أُقَامرك)) ليس في (ت).
[32] زاد في (ب): ((هذا)).
[33] في (ب): ((لم يكن)).
[34] في (ب): ((الكتاب)).
[35] في (ج): ((وكذا ما)).
[36] قوله: ((في ذلك)) ليس في (ج) و(ت)، وفي (ب): ((ومذهب الشافعي ☼ ومن تبعه في ذلك)).
[37] قوله: ((قالوا)) ليس في (ج).
[38] جاء في حاشية (ت): ((وهو قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241]، وقوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236])).
[39] في (ب): ((يقتضي)).
[40] في (ج) و(ب): ((بينهم)).
[41] في (ج): ((بيناه)).
[42] في (ب): ((الإسلام والإيمان)).
[43] في (ت): ((يؤيد)).
[44] كذا في (ج)، وفي باقي النسخ: ((لا تتشبهوا)).
[45] في (ب): ((ملة)).
[46] كذا في (ب)، وفي باقي النسخ: ((كثير)).
[47] في (ب): ((على حفظ)).
[48] كذا في (ج)، وفي باقي النسخ: ((في المباح)).
[49] في (م): ((وفدتهم))، والمثبت من النسخ الأخرى.
[50] في (ب): ((وطريق)).
[51] في (ت): ((الخيل)).