حاشية على مختصر ابن أبي جمرة

حديث ابن عمر: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له...

          245- قولُه: (لَأَنْ يَمْتَلِئَ) [خ¦6154] اللَّامُ للابتِداءِ، أوْ للقَسْم، و(يَمْتَلِئَ) في تأويلِ مَصْدَر مبتدأ، أي: امتلاء، والمرادُ بالامتلاءِ أنْ يكونَ الغالبَ عليه الشِّعْرُ حتَّى يشْغلَه عنِ القُرآن والذِّكْر.
          وأمَّا إذا كان القرآنُ الغالبَ فليسَ جَوْفُه بِمُمْتَلِئٍ من الشِّعْرِ.
          قَوله: (جَوْفُ أَحَدِكُمْ).
          قال ابنُ أبي جَمْرةَ(1): يحتملُ ظاهرُه، وأنْ يكونَ المرادُ الجوْفَ كُلَّهُ وما فيه منَ القَلْب وغيرِه.
          ويحتملُ أن يُرِيدَ به القَلْبَ خاصَّةً، وهو الأظهرُ؛ لأنَّ أهلَ الطِّبِّ يزعمونَ أنَّ القَيْحَ إذا وصَلَ إلى القَلْب شَيءٌ منْه وإنْ كانَ يَسيراً فإنَّ صاحِبَه يَموتُ لا محالة، بخلاف غير القَلْبِ ممَّا في الجوْفِ منَ الكَبِدِ والرِّئَةِ.
          قالَ الحافِظُ(2): قلْتُ: ويؤيِّدُ الاحتمالَ الأوَّلَ رِوايةُ عَوْفِ بنِ مالِكٍ(3): «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِهِ إلى لَهاتِه».
          ويظهر مُناسبة الثَّاني؛ لأنَّ مُقابلَه _وهو الشِّعْر_ محلُّه القَلْبُ؛ لأنَّه ينشَأُ عنِ الفِكْر.
          وأشارَ ابنُ أبي جَمْرةَ إلى عَدَم الفَرْقِ في امتلاءِ الجوْفِ منَ الشِّعْر بين مَن يُنْشِئُه أو يَتَعانى حِفْظَهُ مِن شِعْرِ غَيْره، وهو ظاهرٌ.
          فقوله: (قَيْحَاً) هو المِدَّةُ التي لا يُخالطُها دَمٌ، وهو منْصوبٌ على التَّمْييزِ.
          وقوله: (خَيْرٌ) خَبَرُ المبتدإ، وأفعل التَّفْضيل ليسَ على بابِه.
          قوله: (شِعْرَاً): ظاهرُه العُمُومُ في كلِّ شِعْرٍ، مَع أنَّه قد وردَ في بعضِ الأحاديثِ مَدْحُ الشِّعْرِ، كحديثِ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[ـه 3755]، أي: قَوْلاً صادِقاً مُطابقاً، كالمواعظِ والإنذارِ، وقد وقَعَ الشِّعْرُ بين يدَيْه صلعم كَثيراً مِن حسَّانَ بنِ ثابتٍ وعبدِ الله بنِ رَوَاحَةَ.
          وأنشدَ كَعْبُ بنُ زُهيْرٍ:
          بانَتْ سعاد فقلْبي اليومَ متبول
          فخلَعَ عَلَيه بردتَه الشَّريفة، فابتاعَها بعشرة آلاف دِرْهَمٍ.
          وكانتِ الوُفودُ تأْتي إليه وتنشدُ الشِّعْرَ بين يدَيْه.
          وقالَ في مَدْحِه عَمُّه أبو طالبٍ قصيدتَه التي مِنْها قولُه:
وأبْيضَ يُسْتَسْقى الغَمَامُ بوَجْهِه                     ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمةٌ للأرامِلِ
          ورُوي أنَّه أمَرَ عَمْرَو بنَ الشَّرِيْدِ أنْ يُسمِعَه شيئاً مِن شِعْرِ أُميَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ، فأنشدَه وهُو ╕ يقولُ عَقِبَ كُلِّ بَيْتٍ: «هيهي»(4)، حتَّى أنشدَه مِئةَ بيْتٍ، منْها قولُه:
أحْمَدُ الله لا شَرِيْكَ لَه                     مَنْ لم يَقُلْها فَنَفْسَهُ ظَلَمَا
          وكانَ ╕ يتمثَّل بقولِ طرفَةَ:
ستُبْدي لكَ الأيَّام ما كُنْتَ جاهِلاً                     ويأْتيكَ بالأخْبارِ مَن لَم تُزوِّدِ
          وقال ◙ لحسَّان: «هَلْ قُلْتَ في أبي بَكْرٍ شَيْئاً؟»، قال: قُلْتُ: نَعَم، قال: «قُلْ حَتَّى أَسْمَع»، فقال: /
وثانيَ اثنَين في الغارِ المُنيْفِ(5) وقَدْ                     طافَ العَدُوُّ بِه إذْ صاعد الجَبَلَا
وكانَ حِبَّ رسولِ الله قد عَلِموا                     من الخلائقِ لم يَعْدِلْ بِه بَدَلَا
          فتَبسَّمَ رسُولُ الله صلعم.
          وأُجِيبَ بأنَّ هذا الحديثَ محمولٌ على الشِّعْرِ المذْمُومِ، وأمَّا الممْدُوحُ كالمشتمل على مَدْح المُصطفى صلعم والذِّكْرِ والزُّهْدِ والمَواعِظِ، فليسَ محمل الحديث المذكور.
          وهذا الحديثُ ذكرَه البخاريُّ في باب: ما يُكْره أنْ يكونَ الغالِبَ على الإنسانِ الشِّعْرُ حتَّى يصُدَّه عن ذِكْر الله والعِلْمِ والقُرآنِ.


[1] كما في الفتح 10/548.
[2] في الفتح 10/549.
[3] طب 14853، الطحاوي في شرح معاني الآثار 6986.
[4] في مسلم 1/2255 لكنها بلفظ: (هيه) وتعني: زدني.
[5] كذا في «ز1» وباقي النُّسخ، وفي الأصل و«م»: المخيف.