حاشية على مختصر ابن أبي جمرة

حديث: صالح النبي المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء

          122- قولُه: (يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ) [خ¦2700]. /
          حاصلُه كما وردَ عنِ ابن عُمر:
          إنَّ رسولَ الله صلعم خرجَ من المديْنة مُعتَمِراً، فحالَ كفَّارُ قُريشٍ بَيْنَه وبين البيت الحرامِ، فنحرَ الهدْي وحلقَ رأسَه ناوياً التَّحلُّل من عُمْرته بالحُديْبيةِ، وقاضاهُم _أي: صالحهم_ على أن يعتمر العام المُقْبِل ولا يحمل سلاحاً عليهم إلَّا سُيوفاً، ولا يقيم بها إلَّا ما أَحَبُّوا.
          فاعتمرَ من العام المقبل، فدخلها(1) كما كان صالحهم من غَير حمْل سلاحٍ إلَّا ما استُثني، فلمَّا أقامَ بها أمَروه ╕ أن يخرجَ منْ مكَّةَ، فخرجَ ╕ منها، فتبعتهم ابنةُ حَمْزةَ وقالت: يا عمّ يا عمّ _أي: منَ الرَّضاعة_ فتناوَلها عليٌّ فأخذ بيدِها وقال لفاطمةَ: دُونك ابنة عمِّك.
          فاختصمَ فيها عليٌّ وزَيدٌ وجعفرٌ، فقال عليٌّ: أنا أحقُّ بها، وهي ابنةُ عمِّي.
          وقال جعفر: ابنةُ عمِّي وخالتُها تَحتي.
          وقال زيدٌ: ابنةُ أَخِي.
          فقضى بها النَّبيُّ صلعم لخالتِها وقال: «الخالَةُ بمَنْزِلةِ الأُمِّ».
          وقالَ لعليٍّ: «أنتَ مِنِّي وأَنا مِنْك».
          وقال لجعفرٍ: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي».
          وقال لزيدٍ: «أنتَ أخُوْنا ومَوْلَانا».
          وصورةُ الكتابِ الذي كتب بالصُّلْح: أنَّ عليّاً كتَبَ: محمَّدٌ رسول الله، فقال المشْرِكون: لا تكْتُب: محمَّد رسول الله؛ لو كنتَ رسولاً ما قاتلْناك.
          فقال لعليٍّ: «امْحُهُ»، فقال عليٌّ: ما أنا بالذي أَمْحاهُ، فمَحَاهُ رسوْلُ الله صلعم وصالَحهم على أنْ يدخُلَ هو وأصْحابه ثلاثة أيَّامٍ، ولا يدخلونها إلَّا بجُلبَّان السَّلاحِ.
          فسألُوه: ما جُلبَّان السِّلاح؟ فقال: «القِرَابُ بِما فِيْهِ».
          قوله: (على أَنَّ مَنْ...) إلى آخرِه، بَدَلٌ مِن قولِه (ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ) بإعادة الخافِض.
          قوله: (وَمَنْ أَتَاهُمْ) الواوُ للعَطْف على (مَنْ أَتَاهُ)، ومجموعُ المتعاطِفَين واحدٌ من الأشياءِ الثَّلاثة.
          قوله: (لَمْ يَرُدُّوْهُ) أي: إلى النَّبيِّ صلعم.
          قوله: (وَعلى أَنْ يَدْخُلَهَا) معطوفٌ على قوله: (على أَنَّ مَنْ)، وهذا هو الثَّاني، وضميرُ (يَدْخُلَ) البارِزُ عائدٌ على مَكَّةَ، والمراد: يدخلُ مكَّةَ من عامٍ (قَابِلٍ)، ﻓ (قَابِلٍ) صِفةٌ لموصوفٍ محْذوفٍ.
          وقوله: (وَيُقِيْمَ) بالنَّصْب عطْفٌ على (يَدْخُلَ) وهو من تمام الثَّاني.
          وقوله: (بِهَا) أي: بمكَّة.
          وقوله: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أي: لا غير.
          قوله: (وَلَا يَدْخُلَهَا) بالنَّصْب.
          قوله (وَلَا يَدْخُلَهَا) عطْفٌ على (يَدْخُلَ)، وهو الشَّيء الثَّالثُ.
          قوله: (بِجُلُبَّانِ) بضمِّ الجيم واللَّامِ عنْدَ الأكْثرِين، مَع تشديد الباءِ الموحَّدة، بعدها ألفٌ ونُونٌ؛ وصوَّبه ابنُ قُتيْبةَ(2).
          وقالَ البُخاريُّ: يحتملُ أن تكون ساكِنةَ اللَّام والباءُ مخفَّفةً.
          قوله: (السَّيْفِ) بالجرِّ بدَلاً من (جُلُبَّانِ).
          فقال في «الفَتْح»[5/305]: كذا وقعَ مُفسَّراً هنا، وهو مخالفٌ لما وردَ مِن أنَّهم «سَأَلُوْهُ فَقَالُوا: ما جُلُبَّانِ السِّلَاحِ؟ قالَ: القِرَابُ بِما فِيْهِ».
          إلَّا أنْ يقالَ: المرادُ: السَّيْفُ مَع قِرابِه، وهُو الأصْوبُ.
          قال الأزْهَريُّ(3): الجُلُبَّانُ بجِيمٍ: يُشْبِهُ الجِرَابَ من الأَدَمِ، يضَعُ فيه الرَّاكِبُ سَيْفَه مَغْمُوداً، ويَضعُ فيه سَوْطَه وإدَاوَتَه، ويُعلِّقُها في أَخَرَةِ الرَّحْلِ أوْ وَسَطِهِ. انتهى.
          قوله: (فَجَاءَ) ولأبي ذَرٍّ، عنِ الحَمُّوْييِّ والمُسْتَمْلِيِّ: «فَجَعَلَ».
          وقوله: (أَبُو جَنْدَلٍ) وهو عبدُ الله بنُ العاصي بنِ سُهَيْلٍ.
          وهو بفَتْح الجيم، وسكون النُّونِ، وفتح الدَّال المهملة، آخرُه لامٌ.
          وقوله: (يَحْجُلُ) بفَتْح الياءِ، وسُكون الحاءِ، وضمِّ الجيم، أي: يَمْشي مثلَ الحَجَلَةِ الطَّيْر المعْروف، يرفع رِجْلاً ويضعُ أُخرى؛ لأنَّ المقيَّد لا يمكنه أن ينقلَ رِجْلَيْهِ معاً. /
          قوله: (فَرَدَّهُ إلَيْهِمْ) أي: ردَّ النَّبيُّ صلعم أبا جَنْدَلٍ إلى المُشركين محافظةً للعَهْد ومُراعاةً للشَّرْطِ.
          والحاصلُ: إنَّ أبا جَنْدَلٍ أسْلَمَ بمكَّةَ، فحبسَه أبوهُ، فهربَ وجاءَ إلى النَّبيِّ صلعم، فأخذ أبوهُ سُهيلٌ يجره ليرده إلى قُريشٍ، فجعلَ أبو جَنْدَلٍ يصرخُ بأعلى صوتِه:
          يا معشر المُسلمين أُرَدُّ إلى المشركين يفْتِنوني في دِيْني!
          فقالَ رسولُ الله صلعم: «يا أبا جَنْدَلٍ، اصبِرْ واحْتَسِبْ، فإنَّ الله جاعلٌ لكَ ولمنْ معكَ منَ المُستضْعَفِين بمكَّة فَرَجاً ومَخْرَجاً، وإنَّا قد عَقَدْنا بَيْننا وبينَهم صُلْحاً وعَهْداً ولا نَغْدِر بِهم».
          وهذا الحديثُ ذكَره البُخاريُّ في باب: الصُّلْح مع المُشْرِكين.


[1] كذا في الأصل، وفي «ت»: فدخل.
[2] مطالع الأنوار 2/126.
[3] تهذيب اللغة للأزهري ░11/65▒.