إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أسماء: أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي

1679- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى) القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ) بن كيسان (مَوْلَى أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ (عَنْ أَسْمَاءَ) رضي الله عنها [1]: (أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ) لعبد الله بن كيسان: (يَا بُنَيَّ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا (هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟) قال ابن كيسان: (قُلْتُ: لَا، فَصَلَّت سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ) له: (هَلْ) ولأبي ذرٍّ: ((ثمَّ [2] قالت: يا بنيَّ؛ هل)) (غَابَ الْقَمَرُ؟) قال: (قُلْتُ: نَعَمْ) غاب (قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا) بكسر الحاء أمرٌ من الارتحال (فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا) بها، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((فمضينا)) بفاء العطف بدل الواو (حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ) الكبرى (ثُمَّ رَجَعَتْ) إلى منزلها بمنًى (فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا) وفي «سنن أبي داود» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط مسلمٍ: عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أمَّ سلمة ليلة النَّحر، فرمت قبل الفجر، ثمَّ أفاضت. واستدلَّ به: على أنَّه يدخل وقت الرَّمي بنصف ليلة النَّحر، ووجَّهه: أنه عليه الصلاة والسلام علَّق الرَّمي بما قبل الفجر، وهو صالحٌ لجميع اللَّيل، ولا ضابط له، فجعل النِّصف ضابطًا لأنَّه أقرب إلى الحقيقة ممَّا قبله، ولأنَّه وقَّت به [3] للدَّفع من مزدلفة ولأذان الصُّبح، فكان وقتًا للرَّمي كما بعد الفجر، ومذهب المالكيَّة والحنفيَّة: يحلُّ [4] بطلوع الفجر، وقبله لغوٌ حتَّى للنِّساء والضَّعفة، والرُّخصة في الدَّفع ليلًا إنَّما هي في الدَّفع خوف الزِّحام، والأفضل الرَّمي من طلوع الشَّمس، وفي «سنن أبي داود» بإسنادٍ حسنٍ من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لغلمان بني عبد المطَّلب: «لا ترموا حتَّى تطلع الشَّمس»، وإذا كان من رُخِّص له مُنِع أن يرمي قبل طلوع الشَّمس فمن لم يُرخَّص له أَوْلى، وقد جمعوا بين حديث ابن عبَّاسٍ هذا وحديث الباب بحمل الأمر في حديث ابن عبَّاسٍ على النَّدب، ويؤيِّده حديث ابن عبَّاسٍ عند الطَّحاويِّ قال: بعثني النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر.
(فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهْ) بفتح الهاء وسكون النُّون وبعد المُثنَّاة الفوقيَّة ألفٌ آخره هاءٌ ساكنةٌ [5]، أي: يا هذه (مَا أُرَانَا) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّ (إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا) بفتح الغين المعجمة وتشديد اللَّام وسكون السِّين المهملة، أي: تقدَّمنا على الوقت المشروع (قَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِلظُّعنِ) بضمِّ الظَّاء المعجمة والعين المهملة ويجوز سكونها، جمع ظعينةٍ: المرأة في الهودج، واستدلَّ بقولها: «أَذِنَ» على عدم وجوب المبيت بالمزدلفة؛ إذ لو كان واجبًا لم يسقط بعذر الضَّعف كالوقوف بعرفة، وهو مذهب المالكيَّة، قال الشَّيخ خليلٌ: ونُدِب بياته بها، وإن لم ينزل فالدَّم، أي: على الأشهر، وهذا ما [6] صحَّحه الرَّافعيُّ، وصحَّح النَّوويُّ وجوبه على غير المعذور؛ بخلاف المعذور كالرِّعاء وأهل سقاية العبَّاس، أو له مالٌ يخاف تلفه بالمبيت، أو مريضٌ يحتاج إلى تعهُّده، أو أمرٌ يخاف فوته، قال النَّوويُّ: ويحصل المبيت بمزدلفة بحضورها لحظةً في النِّصف الثَّاني كالوقوف بعرفة، نصَّ عليه في «الأمِّ»، وبه قطع جمهور العراقيِّين وأكثر الخراسانيِّين، وقِيلَ: يُشترَط
ج3ص207
معظم اللَّيل كما لو حلف: لا يبيت [7] بموضعٍ لا يحنث إلَّا بمعظم اللَّيل، وهذا صحَّحه الرَّافعيُّ، ثمَّ استشكله من جهة أنَّهم لا يصلونها حتَّى يمضي ربع اللَّيل، مع جواز الدَّفع منها بعد نصف اللَّيل، وقال أبو حنيفة بوجوب المبيت أيضًا.
ج3ص208


[1] في (د): «عنهما».
[2] «ثمَّ»: ليس في (د).
[3] «به»: ليس في (د) و(م).
[4] في (د): «يدخل».
[5] «ساكنةٌ»: ليس في (د).
[6] «ما»: ليس في (د).
[7] في (ب) و(س): «يبيتنَّ».