إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي أنه توضأ

1614- 1615- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله (قال: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين هو ابن الحارث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو أبو [1] الأسود النَّوفليِّ، يتيم عروة (قال: ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام ما قِيل في حكم القادم إلى مكَّة، ممَّا ذكره مسلمٌ من هذا الوجه، وحذفه المؤلِّف مقتصرًا على المرفوع منه، ومُحصَّل ذلك ومعناه: أنَّ رجلًا من أهل العراق قال لأبي الأسود: سل لي عروة بن الزُّبير عن رجلٍ يهلُّ بالحجِّ، فإذا طاف بالبيت أيحلُّ _أي: دون أن يطوف بين الصَّفا والمروة_ أم لا؟ قال أبو الأسود: فسألته، فقال: لا يحلُّ مَنْ أهلَّ بالحجِّ إلَّا بالحجِّ، فتصدَّى _أي: فتعرَّض لي_ الرَّجل فسألني، أي: عمَّا أجاب به عروة، فحدَّثته، فقال: قل له: فإنَّ رجلًا، أي: ابن
ج3ص170
عبَّاسٍ يخبر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك؛ يعني: أَمَرَ به؛ حيث قال لمن لم يسق الهدي من أصحابه: اجعلوها عمرةً.
وعند المؤلِّف في «حجَّة الوداع» [خ¦4396] من حديث ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: إذا طاف بالبيت فقد حلَّ، فقلت لعطاءٍ: من أين أخذ هذا [2] ابن عبَّاسٍ؟ قال: من قول الله تعالى [3]: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحجُّ: 33] ومن أمرِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه أن يحلُّوا في حجَّة الوداع، قلت: إنَّما كان ذلك بعد المُعرَّف، قال: كان [4] ابن عبَّاسٍ يراه قبلُ وبعدُ. انتهى. قال أبو الأسود: فجئته، أي: عروة، فذكرت له ذلك؛ يعني: ما قاله الرَّجل العراقيُّ من مذهب ابن عبَّاسٍ.
(قَالَ) أي: عروة: قد حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ [5] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ) في موضع رفع خبر «أنَّ» من قولها: «أنَّ أوَّل شيءٍ بدأ به» (ثُمَّ طَافَ) بالبيت ولم يحلَّ من حجِّه (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) تلك الفعلة التي فعلها عليه الصلاة والسلام حين قدم من الطَّواف وغيره (عُمْرَةً) فعُرِف من هذا أنَّ ما ذهب إليه ابن عبَّاسٍ مخالفٌ لفعله عليه الصلاة والسلام، وأنَّ أمره عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يفسخوا حجَّهم فيجعلوه عمرةً خاصٌّ بهم، وأنَّ من أهلَّ بالحجِّ مفردًا لا يضرُّه الطَّواف بالبيت كما فعله عليه الصلاة والسلام، وبذلك احتجَّ عروة، وقوله: «عمرةً» بالنَّصب خبر «كان»، أو بالرَّفع _كما لأبي ذرٍّ_ [6] على أنَّ «كان» تامَّةٌ، والمعنى: لم تحصل عمرةٌ.
(ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما مِثْلَهُ) أي [7]: فكان أوَّل شيءٍ بدأا به الطَّواف، ثمَّ لم تكن عمرةٌ (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي) أي: مصاحبًا لوالدي (الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) و«الزُّبيرِ»: بالجرِّ بدلٌ من «أبي»، أو عطف بيانٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ثمَّ حججت مع ابن الزُّبير)) أي: مع أخي عبد الله بن الزُّبير، قال القاضي عياضٌ: وهو تصحيفٌ (فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ) أي: البدء بالطَّواف (وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) أسماء بنت أبي بكرٍ (أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) عائشةُ زوجُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ) أي: الحجر الأسود، وأتمُّوا طوافهم وسعيهم وحلقوا (حَلُّوا) من إحرامهم، وحُذِف المُقدَّر هنا للعلم به وعدم خفائه، فإن قلت: إنَّ عائشة في تلك الحجَّة لم تطف بالبيت لأجل حيضها، أُجيب بأنَّه محمولٌ على أنَّه [8] أراد حجَّةً أخرى بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غير حجَّة الوداع.
ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار بالإفراد والعنعنة والذِّكر، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ».
ج3ص171


[1] في (د): «ابن»، وليس بصحيحٍ.
[2] «هذا»: ليس في (د).
[3] في (د): «قوله تعالى».
[4] في غير (د): «فإنَّ»، والمثبت موافقٌ لما في «صحيح البخاريِّ».
[5] في (د): «رسول الله».
[6] «كما لأبي ذرٍّ»: ليس في (م).
[7] «أي»: ليس في (د).
[8] «محمولٌ على أنَّه»: سقط من (د).