إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف وآخى

3781- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) المدينة (وَآخَى رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: ((النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) الخزرجيِّ، وعند عبد بن حُميدٍ من طريق ثابتٍ عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم آخى بين عبد الرَّحمن بن عوفٍ وبين عثمان بن عفَّان، فقال عثمان لعبد الرحمن: إنَّ لي حائطين...؛ الحديث، قال في «الفتح»: وهو وهمٌ من رواية زاذان (وَكَانَ) سعدٌ (كَثِيرَ الْمَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ) لعبد الرَّحمن: (قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسم
ج6ص148
امرأتَي سعدٍ إلَّا أنَّ ابن سعدٍ ذكر أنَّه كان له من الولد أمُّ سعدٍ، واسمها جميلة، وأمُّها عمرة بنت حزمٍ، وتزوَّج زيد بن ثابتٍ أمَّ سعدٍ، فولدت له ابنه خارجة، فيُؤخَذ من هذا تسمية إحدى امرأتي سعدٍ، وقال شيخنا الحافظ أبو الخير السَّخاويُّ: إنَّه وجد تسمية الزَّوجة الثَّانية في «تفسير مقاتلٍ» عند قوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} وأنَّها حبيبة بنت زيد بن أبي زهيرٍ (فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا) _بالرَّفع_ لأجلك (حَتَّى إِذَا حَلَّتْ) بأن [1] انقضت عدَّتها (تَزَوَّجْتَهَا) بفوقيَّةٍ بعد الجيم السَّاكنة (فَقَالَ) له (عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ) زاد في السَّابقة [خ¦3780]: «ومالك» (فَلَمْ يَرْجِعْ) فيه حذفٌ اختصره الرَّاوي، وهو قوله في الرِّواية السَّابقة: «أين سوقكم؟ فدلُّوه على سوق بني قينقاع» [خ¦3780] وزاد في أخرى في «الوليمة» [خ¦5167]: «فخرج إلى السُّوق، فباع واشترى»، وفي رواية حُمَيدٍ [2] [خ¦5167]: «فاشترى وباع فربح، فلم يرجع» (يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ) أي: ربح (شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ) وفي رواية زهير بن معاوية أوَّل «البيوع» [خ¦2049]: «فأتى به أهل منزله» (فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ) بفتح الواو والمُعجَمة آخره راءٌ، أي: لطخٌ (مِنْ صُفْرَةٍ) أي: صُفْرَةُ خَلُوقٍ، والخَلُوق طيبٌ يُصنَع من زعفران وغيره (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْيَمْ؟) كلمة استفهامٍ مبنيَّةٌ على السُّكون، وهل هي بسيطةٌ أم مُركَّبةٌ؟ قولان لأهل اللُّغة، وقال ابن مالكٍ: هي اسم فعلٍ بمعنى «أخبِرْ»، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ: فقال له: «مهيم؟» وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشَّيء، وعند المصنِّف في رواية حمَّاد بن زيدٍ [خ¦5155]: «قال: ما هذا؟» (قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) قال البيضاويُّ: يحتمل أن يكون [3]: «مهيم» استفهامًا إنكاريًّا؛ لِمَا تقدَّم من النَّهي عن التَّضمُّخ بالخلوق، فأجابه بقوله: تزوَّجت، أي: فتعلَّق بي [4] منها ولم أقصده، ويأتي مزيدٌ لهذا _إن شاء الله تعالى_ في موضعه، وقد جزم الزُّبير بن بكَّارٍ في كتاب «النَّسب» أنَّ التي تزوَّجها بنت أبي الحَيسَر _بفتح المهملتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ آخره راءٌ_ واسمه أنس بن رافعٍ الأوسيُّ؛ كما مرَّ قريبًا (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام له: (مَا سُقْتَ فِيهَا؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((إليها)) بدل «فيها» وفي رواية حُمَيد [5] بن سلمة في «الوليمة» [خ¦5167]: «كم أصدقتَها؟» (قَالَ) عبد الرَّحمن: سقتُ إليها (وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَو نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي كما مرَّ، واستنكر الدَّاوديُّ رواية: «وزن نواةٍ»، ورجَّح الثَّانية، ورُدَّ عليه: بأنَّ في رواية شعبة عن عبد العزيز بن صُهَيبٍ [خ¦5148]: «على وزن نواةٍ» وكذا لغيره بالجزم، وهم أئمَّةٌ حفَّاظٌ، فلا وهم في الرِّواية؛ لأنَّها وإن كانت نواة تمرٍ أو غيره لها قدرٌ معلومٌ يصلح أن يُقال: «وزن نواةٍ» ولعلَّ المراد: نوى التَّمر؛ كما يُوزَن بنوى الخَرُّوب، وقيل: كان القيمة عنها يومئذٍ خمسة دراهم، وقيل: ربع دينارٍ كذا قرَّره بعضهم، وعُورِض: بأنَّ نوى التَّمر يختلف في الوزن، فكيف يُجعَل معيارًا لِمَا يُوزَن به؟ وبقيَّة مبحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في موضعه بعون الله وقوَّته (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام له: (أَوْلِمْ؛ وَلَو بِشَاةٍ) استدلَّ به: على تأكيد أمر الوليمة؛ إذ إنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أمر باستدراكها بعد انقضاء الدُّخول، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ اختلاف الأئمَّة هل وقتها عند العقد أو عقبه [6]، أو عند الدُّخول أو عقبه، ومُوسَّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدُّخول [خ¦5166قبل] .
ج6ص149


[1] في (ص): «أي».
[2] في جميع النُّسخ: «حمَّادٍ»، ولعلَّه تحريفٌ عن المثبت.
[3] زيد في (ص) و(م): «قوله».
[4] في (ص) و(م): «لي»، وهو تحريفٌ.
[5] في جميع النُّسخ: «حمَّاد»، ولعلَّه تحريفٌ عن المثبت.
[6] «أو عقبه»: ليس في (ص) و(م).