إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن العباس استأذن النبي ليبيت بمكة ليالي منى

1743- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) بتصغير: «عبد»، المعروف بابن أبي عبادٍ، القرشيُّ التَّيميُّ مولاهم المدنيُّ، وقيل: الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) الهمدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ (عَنْ
ج3ص244
نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) قال: (رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي [1]: في البيتوتة ليالي منًى بمكَّة لأهل السِّقاية، فالمفعول محذوفٌ، واقتصر عليه ليحيل على ما بعده، ولفظه عند الإسماعيليِّ من طريق إبراهيم بن موسى عن عيسى بن يونس المذكور: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص للعبَّاس أن يبيت بمكَّة أيَّام منًى من أجل سقايته.
وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «باب سقاية العبَّاس» [خ¦1634].
1744- وبه قال: (حَدَّثَنَا [2] يَحْيَى بْنُ مُوسَى) البلخيُّ المُلقَّب بخَتٍّ؛ بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البرسانيُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ [3] (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ) كذا اقتصر عليه أيضًا، وأحال به على ما بعده، ولفظه عند أحمد في «مُسنَده» عن محمَّد بن [4] بكرٍ، البرسانيِّ: أذن للعبَّاس بن عبد المطَّلب أن يبيت بمكَّة ليالي منًى من أجل السِّقاية.
1745- وبه قال: «ح»: ( [5] حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: ((وحدَّثني)) بالواو والإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) المعروفة بالمسجد الحرام (فَأَذِنَ) عليه الصلاة والسلام (لَهُ) في المبيت.
(تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّدَ بن عبد الله بن نُمَيرٍ (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ، فيما أخرجه مسلمٌ (وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) أبو مسعودٍ السَّكونيُّ ممَّا أخرجه ابن أبي شيبة في «مُسنَده» عنه (وَأَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياضٍ، ممَّا أخرجه المؤلِّف في «باب سقاية الحاجِّ» [خ¦1634] قال في «الفتح»: والنُّكتة في استظهار البخاريِّ بهذه المتابعات بعد إيراده له من ثلاث طرقٍ لشكٍّ وقع في رواية يحيى بن سعيدٍ القطَّان في وصله، فقد أخرجه أحمد عن يحيى عن [6] عبيد الله عن نافعٍ قال: ولا أعلمه إلَّا عن ابن عمر، قال الإسماعيليُّ: وقد وصله أيضًا بغير شكٍّ موسى بن عقبة والدَّراورديُّ وعليُّ بن مسهرٍ ومحمَّد ابن فليحٍ، كلُّهم عن عبيد الله، وأرسله ابن المبارك عن عبيد الله، قال الحافظ ابن حجرٍ: والظَّاهر: أنَّ عبيد الله ربَّما كان يشكُّ في وصله بدليل رواية يحيى بن سعيدٍ القطَّان، وكأنَّه كان في أكثر أحواله يجزم بوصله بدليل رواية الجماعة. انتهى.
وفي الحديث: دليلٌ على وجوب المبيت ليالي أيَّام التَّشريق بمنًى لأنَّه صلى الله عليه وسلم رخَّص للعبَّاس في ترك المبيت لأجل سقايته، فدلَّ على أنَّه لا يجوز لغيره لأنَّ التَّعبير بالرُّخصة يقتضي أنَّ مقابلها عزيمةٌ، وأنَّ الإذن وقع للعلَّة المذكورة، وإذا لم توجد العلَّة المذكورة أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال به من الحنابلة صاحب «الرِّعايتين» و«الحاوييِّن» والمراد: مبيت [7] معظم اللَّيل كما لو حلف لا يبيت بمكانٍ لا يحنث إلَّا بمبيته معظم اللَّيل، وإنَّما اكتفى بساعةٍ في نصفه الثَّاني بمزدلفة _كما سبق_ لأنَّ نصَّ الشَّافعيِّ وقع فيها بخصوصها إذ بقيَّة المناسك يدخل وقتها بالنِّصف، وهي كثيرةٌ مُشِقَّةٌ [8]، فسُومِح [9] في التَّخفيف لأجلها، وفي قول الشَّافعيِّ [10] وروايةٍ عن أحمد [11]: قال المرداويُّ: وهو الصَّحيح من المذهب، وقطع به ابن أبي موسى في «الإرشاد»، والقاضي في «الخلاف»، وابن عقيلٍ في «الفصول»، وأبو الخطَّاب في «الهداية»، وهو مذهب الحنفيَّة: أنَّه سنَّةٌ، واستدلُّوا بأنَّه لو كان واجبًا لما رخَّص عليه الصلاة والسلام للعبَّاس فيه، ووجوب الدَّم بتركه مبنيٌّ على هذا الخلاف، فيجب بتركه دمٌ عند الشَّافعيَّة كنظيره في ترك مبيت مزدلفة [12]، وفي ترك مبيت اللَّيلة الواحدة من ليالي منًى يجب مُدٌّ، واللَّيلتين مُدَّان من الطَّعام، وفي ترك الثَّلاث مع ليلة مزدلفة دمان لاختلاف المبيتين مكانًا، ويسقط المبيت بمنًى ومزدلفة والدَّم عن أهل السِّقاية، سواءٌ كانوا من آل العبَّاس أم من غيرهم مطلقًا، سواءٌ أخرجوا قبل الغروب أو بعده، ولو كانت السِّقاية مُحدَثةً كما صحَّحه النَّوويُّ ونقله الرَّافعيُّ عن البغويِّ، ونُقِل المنعُ عن ابن كجٍّ، قال في «المهمَّات»:
ج3ص245
والصَّحيح: المنع، فقد نقله صاحبا «الحاوي» و«البحر» وغيرهما عن نصِّ الشَّافعيِّ، وهو المشهور كما أشعر به كلام الرَّافعيِّ، وذكر الأذرعيُّ نحوه، وما صحَّحه النَّوويُّ _كما قال [13] الزَّركشيُّ_ هو [14] ما نصَّ عليه الشَّافعيُّ من إلحاق الخائف على نفسٍ [15] أو نحوها كما [16] يأتي قريبًا _إن شاء الله تعالى_ قال في «الفتح»: والمعروف عن أحمد: اختصاص العبَّاس بذلك، وعليه اقتصر صاحب «المغني»، لكن قال في «التَّنقيح»: وإن دفع من مزدلفة غير سقاةٍ ورعاةٍ قبل نصف اللَّيل فعليه دمٌ إن لم يعد نصًّا إليها ليلًا ولو بعد نصفه. انتهى. ومقتضاه: العموم، وكذا يسقط المبيت بها [17] والرَّمي عن الرِّعاء _بكسر الرَّاء والمدِّ_ إن خرجوا منها قبل الغروب لأنَّه صلى الله عليه وسلم رخَّص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت. رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وقِيس بمنًى مزدلفة، فإن لم يخرجوا قبل الغروب _بأن كانوا بهما بعده_ لزمهم مبيت تلك اللَّيلة والرَّمي من الغد، وصورة الخروج قبل الغروب من مزدلفة: أن يأتيها قبل الغروب، ثمَّ يخرج منها حينئذٍ على خلاف العادة، وإنَّما لم يقيِّد الخروج قبل الغروب في حقِّ أهل السِّقاية أيضًا لأنَّ عملهم باللَّيل بخلاف الرَّعي، وألحق بأهل السِّقاية أيضًا الخائف على نفسٍ، أو مالٍ، أو فوت أمرٍ يطلبه؛ كآبقٍ، أو ضياع مريضٍ، وكذا من اشتغل بتدارك الحجِّ بأن انتهى إلى عرفة ليلة النَّحر، واشتغل بالوقوف بها عن مبيت مزدلفة لاشتغاله بالأهمِّ، وكذا من أفاض من عرفة إلى مكَّة ليطوف للإفاضة بعد نصف اللَّيل ففاته المبيت لاشتغاله بالطَّواف كاشتغاله بالوقوف، وقال المالكيَّة: ويلزم المبيت بمنًى لياليها الثَّلاث، والمتعجِّل ليلتين، وقال ابن حبيبٍ عن ابن الماجشون، وابن عبد الحكم عن مالكٍ: من أقام بمكَّة أكثر ليله [18] ثمَّ أتى منًى فبات فيها باقي ليله فلا شيء عليه إلَّا أن يبيت ليلةً كاملةً فيلزمه [19] الدَّم، ولو كان له عذرٌ من مرضٍ أو غيره لم يسقط عنه الدَّم، حكاه الباجي، وما حكاه عن ابن عبد الحكم وابن حبيبٍ خلاف ما في «المُدوَّنة»، والمشهور: لزوم الدَّم إذا بات بغير منًى جُلَّ ليله، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: وفي ترك مبيت ليلةٍ دمٌ، وقال في «شرح المقنع»: فيه ما في حلق شعره؛ وهو مدٌّ من طعامٍ، قال: وهو إحدى الرِّوايات؛ لأنَّها ليست نسكًا بمفردها بخلاف المبيت بمزدلفة، قاله القاضي وغيره، وقال: لا تختلف الرِّواية أنَّه لا يجب دمٌ.
ج3ص246


[1] «أي»: ليس في (د).
[2] في (د): «ح وحدَّثني».
[3] في غير (ص) و(م): «بن عمر»، وكلاهما صحيحٌ.
[4] زيد في (د): «أبي»، وليس بصحيحٍ.
[5] زيد في (ب) و(س): «ح».
[6] في (د): «بن»، وهو تحريفٌ.
[7] «مبيت»: ليس في (د).
[8] في (ب) و(س): «المشقَّة».
[9] في (د): «فسُوِّغ».
[10] في (د) و(س): «للشَّافعيِّ».
[11] في (د): «وروايةٍ لأحمد».
[12] في (ص): «المبيت بمزدلفة».
[13] في (ب) و(س): «قاله».
[14] «هو»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[15] في (د) و(ص): «نفسه».
[16] في (ب) و(س): «ممَّا».
[17] في (م): «فيها».
[18] في (د): «ليلته»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[19] في (د): «فيلزم».