إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه

1691- 1692- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ _بالميم [1]_ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين بن خالد بن عَقيلٍ _بفتح العين_ الأَيْليِّ؛ بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) التَّمتُّع بلغة القِرآن الكريم، وعُرْف الصَّحابة أعمُّ من القران؛ كما ذكره غير واحدٍ، وإذا كان أعمَّ منه احتمل أن يُراد به الفرد المُسمَّى بالقِران في الاصطلاح الحادث، وأن يُراد به المخصوص باسم التَّمتُّع في ذلك الاصطلاح، لكن يبقى النَّظر في أنَّه أعمُّ في عُرْف الصَّحابة أو [2] لا؟ ففي «الصَّحيحين» [خ¦1569] عن سعيد بن المُسيَّب قال: اجتمع عليٌّ وعثمان بِعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول صلى الله عليه وسلم تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدعك، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا، فهذا يبيِّن أنَّه عليه الصلاة والسلام كان قارنًا، ويفيد أيضًا أنَّ الجمع بينهما تمتُّعٌ، فإنَّ عثمان كان ينهى عن المتعة، وقصد عليٌّ إظهار مخالفته تقديرًا لما فعله عليه الصلاة والسلام وأنَّه لم يُنسَخ فقرن، وإنَّما تكون مخالفةً إذا كانت المتعة التي نهى عنها عثمان، فدلَّ على الأمرين اللذين عيَّناهما وتضمَّن اتِّفاق عليٍّ وعثمان على أنَّ القِران من مُسمَّى التَّمتُّع، وحينئذٍ يجب حمل قول ابن عمر: «تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم»
ج3ص214
على التَّمتُّع الذي نسمِّيه قِرانًا، لو [3] لم يكن عنده [4] ما يخالف ذلك اللَّفظ، فكيف وقد وُجِد عنه ما يفيد ما قلنا؟ وهو ما في «صحيح مسلمٍ» عن ابن عمر: أنَّه قرن الحجَّ مع العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمَّ قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظهر أنَّ مراده بلفظ المتعة في هذا الحديث: الفرد المُسمَّى بالقِران.
(وَأَهْدَى) عليه الصلاة والسلام، أي: تقرَّب إلى الله تعالى بما هو مألوفٌ عندهم من سَوق شيءٍ من النَّعم إلى الحرم ليُذبَح ويُفرَّق على مساكينه [5] تعظيمًا له (فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ) وكان أربعًا وستِّين بدنةً (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ) أي: لبَّى في [6] أثناء الإحرام (بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ) أي: لبَّى (بِالْحَجِّ) وليس المراد أنَّه أحرم بالحجِّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى مخالفة الأحاديث الصَّحيحة [7] السَّابقة، فوجب تأويل هذا على موافقتها، ويؤيِّد هذا التأويل قوله: (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ) في آخر الأمر (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) لأنَّه معلومٌ أنَّ كثيرًا منهم أو أكثرهم أحرموا أوَّلًا بالحجِّ مفردين، وإنَّما فسخوه إلى العمرة آخِرًا، فصاروا متمتِّعين (فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ) زاد في بعض الأصول: ((معه)) (الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ؛ قَالَ لِلنَّاسِ) [8] في روايةٍ عن عائشة رضي الله عنها تقتضي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لهم ذلك بعد أن أهلُّوا بذي الحليفة، لكن الذي تدلُّ عليه الأحاديث في «الصَّحيحين» وغيرهما _من رواية عائشة وجابرٍ وغيرهما_ أنَّه إنَّما قال لهم ذلك في منتهى سفرهم ودنوِّهم من مكَّة، وهم بسرف كما في حديث عائشة [خ¦1788] أو بعد طوافه كما في حديث جابرٍ [خ¦1651] ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا [9] حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة.
(مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((من شيءٍ)) (حَرُمَ مِنْهُ) أي: من أفعاله (حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) إن كان حاجًّا، فإن كان معتمرًا فكذلك لِما في الرِّواية الأخرى [خ¦319] «ومن أحرم بعمرةٍ فلم يُهْدِ فليُحْلِلْ، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى، فلا يُحِلُّ حتَّى ينحر هديه» (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ) من شعر رأسه، وإنَّما لم يقل: «وليحلق» وإن كان أفضل ليبقى له شعرٌ يحلقه في الحجِّ؛ فإنَّ الحلق في تحلُّل الحجِّ أفضل منه في تحلُّل العمرة، ولأبي ذرٍّ: ((ويقصِّرْ)) بحذف لام الأمر والجزم، عطفًا على المجزوم قبله، والرَّفع على الأصل لأنَّه فعلٌ مضارعٌ مجرَّدٌ من ناسخٍ [10]، أي: وبعد الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصَّفا والمروة يقصِّر (وَلْيَحْلِلْ) بسكون اللَّام الأولى والثَّالثة وكسر الثَّانية وفتح التَّحتيَّة أمرٌ معناه: الخبر، أي: صار حلالًا، فله فعل كلِّ ما كان محظورًا عليه في الإحرام، ويحتمل أن يكون إذنًا كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] والمراد: فسخ الحجِّ عمرةً وإتمامها حتَّى يحلَّ منها، وفيه: دليلٌ على أنَّ الحلق أو التَّقصير نسكٌ، وهو الصَّحيح (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) أي: في [11] وقت خروجه إلى عرفاتٍ، لا أنَّه يهلُّ عقب تحلُّل العمرة ولذا قال: «ثمَّ ليهلَّ»، فعبَّر: بـ «ثمَّ» المقتضية للتَّراخي والمهلة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) بأن عدم وجوده، أو ثمنه، أو زاد على ثمن المثل، أو كان صاحبه لا يريد بيعه (فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) بعد الإحرام به، والأَولى: تقديمها قبل يوم عرفة لأنَّ الأَولى فطره، فيُندَب أن يحرم المتمتِّع العاجز عن الدَّم قبل سادس ذي الحجَّة، ويمتنع تقديم الصَّوم على الإحرام (وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) ببلده أو بمكانٍ توطَّن به كمكَّة، ولا يجوز صومها في توجُّهه إلى أهله لأنَّه تقديمٌ للعبادة البدنيَّة على وقتها، ويُندَب تتابع الثَّلاثة والسَّبعة.
(فَطَافَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ) أي: مسح (الرُّكْنَ) الأسود، حال كونه (أَوَّلَ شَيْءٍ) أي: مبدوءًا به (ثُمَّ خَبَّ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة، أي: رمل (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا) ولأبي ذرٍّ: ((أربعةً)) أي: من الأطواف (فَرَكَعَ حِينَ قَضَى) أدَّى (طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ) سبعًا (عِنْدَ الْمَقَامِ) مقام إبراهيم (رَكْعَتَيْنِ) للطَّواف (ثُمَّ سَلَّمَ) منهما (فَانْصَرَفَ فَأَتَى) عقب ذلك (الصَّفَا) بالقصر (فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ
ج3ص215
أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) بالوقوف بعرفاتٍ ورمي الجمرات، ولم يقل: «وعمرته» لدخولها في الحجِّ، أو لأنَّه كان مفردًا (وَنَحَرَ هَدْيَهُ) الذي ساقه معه من المدينة (يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ) أي: دفع نفسه أو راحلته بعد الإتيان بما ذُكِر إلى المسجد الحرام (فَطَافَ بِالْبَيْتِ) طواف الإفاضة (ثُمَّ حَلَّ) عليه الصلاة والسلام (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي: حصل له الحلُّ، قال ابن عمر: (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: مثل فعله، فـ «ما»: مصدريَّةٌ، وفاعل «فَعَلَ» قولُه: (مَنْ أَهْدَى) ممَّن كان معه عليه الصلاة والسلام (وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ) و«من» للتَّبعيض لأنَّ من كان معه الهدي بعضُهم لا كلُّهم.
وقال ابن شهابٍ: (وَعَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، عطفًا على قوله: «عن سالم بن عبد الله أنَّ ابن عمر»، ووقع في بعض النُّسخ هنا، ونُسِب لرواية [12] أبي الوقت بعد قوله صلى الله عليه وسلم «باب من أهدى وساق [13] الهدي من النَّاس»: ((وعن عروة)) وهو غير صوابٍ (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنْ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: ((عن النَّبيِّ)) [14] (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال في «الفتح»: وقد تعقَّب المُهلَّب قول ابن شهابٍ [15] بمثل الذي أخبرني سالمٌ، فقال: يعني: مثله في الوهم لأنَّ أحاديث عائشة كلَّها شاهدةٌ بأنَّه حجَّ مفردًا. وأجاب الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه ليس وهمًا؛ إذ لا مانع من الجمع بين الرِّوايتين، فيكون المرادُ بالإفراد في حديثها: البداءةَ بالحجِّ، وبالتَّمتُّع بالعمرة: إدخالها على الحجِّ، قال: وهو أَولى من توهيم جبلٍ من جبال الحفظ. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
ج3ص216


[1] «بالميم»: ليس في (د).
[2] في (ب) و(س): «أم».
[3] «لو»: ليس في (ص).
[4] في (ص): «عنه».
[5] في (ص) و(م): «ساكنيه»، وهو تحريفٌ.
[6] «في»: مثبتٌ من (د) و(س).
[7] «الصَّحيحة»: ليس في (ص) و(م).
[8] في (ص) و(م): «النَّاس»، وهو تحريفٌ.
[9] في (د) و(ص): «أخيرًا».
[10] في (ب) و(س): «من ناصبٍ وجازمٍ»، وفي (د): «من ناصبٍ».
[11] «في»: ليس في (م) و(ص).
[12] في (م): «وليست كرواية»، وهو تحريفٌ.
[13] زيد في (د): «معه».
[14] «ولابن عساكر: عن النَّبيِّ»: ليس في (ص) و(م).
[15] في غير (د) و(س): «هشامٍ»، وليس بصحيحٍ.