إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها

1867- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ) بالمُثلَّثة، و«يزيد» مِنَ الزِّيادة الأحول البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن سليمان (الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ) مُحرَّمةٌ، لا تُنتهَك حرمتها (مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا) بفتح الكاف والذَّالُ معجمةٌ [1]، كناية عن اسمي [2] مكانين، وفي حديث عليٍّ الآتي _إن شاء الله تعالى_ في هذا الباب [خ¦1870]: «ما بين عائرٍ إلى كذا» وهو جبلٌ بالمدينة، واتَّفقت الرِّوايات التي في «البخاريِّ» كلِّها على إبهام الثَّاني، وفي حديث عبد الله بن سلامٍ عند أحمد والطَّبرانيِّ: «ما بين
ج3ص328
عَيرٍ إلى أحدٍ» وفي «مسلمٍ»: «إلى ثورٍ» لكن [3] قال أبو عبيدٍ: أهل المدينة لا يعرفون جبلًا عندهم يُقال له: ثورٌ، وإنَّما ثورٌ بمكَّة، وقيل: إنَّ البخاريَّ إنَّما أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنَّه وهمٌ، لكن قال صاحب «القاموس»: ثورٌ: جبلٌ بمكَّة، وجبلٌ بالمدينة، ومنه الحديث الصَّحيح [خ¦6755] «المدينة حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثورٍ»، وأمَّا قول أبي عبيد بن سلَّامٍ وغيره من أكابر الأعلام: _إنَّ هذا تصحيفٌ، والصَّواب: إلى أحدٍ لأنَّ ثورًا إنَّما هو بمكَّة_ فغير جيِّدٍ لِمَا أخبرني الشُّجاع اليعليُّ الشَّيخ الزَّاهد عن الحافظ أبي محمَّد [4] عبد السَّلام البصريِّ: أنَّ حذاء أحدٍ جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا، يُقال له: ثورٌ، وتكرَّر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض، فكلٌّ أخبر أنَّ اسمَه ثورٌ، ولما كتب إليَّ الشَّيخ عفيف الدِّين المطريُّ عن والده الحافظ الثِّقة قال: إنَّ خلف أُحُدٍ عن شماله جبلًا صغيرًا مُدوَّرًا يُسمَّى ثورًا، يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلفٍ، ونحو ذلك قاله صاحب «تحقيق النُّصرة».
(لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، وفي رواية يزيد بن هارون: لا يُختلَى خلاها، وفي «مسلمٍ» من حديث جابرٍ: «لا يُقطَع عِضَاهُها، ولا يُصاد صيدُها»، وفي رواية أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ: «لا يُختلَى خلاها، ولا يُنفَّر صيدُها»، ففي ذلك: أنَّه يحرم صيد المدينة وشجرها كما في حرم مكَّة، لكن لا ضمان في ذلك لأنَّ حرم المدينة ليس محلًّا للنُّسك بخلاف حرم مكَّة، وقال أبو حنيفة ومحمَّدٌ وأبو يوسف: ليس للمدينة حرمٌ كما لمكَّة، فلا يُمنَع أحدٌ من أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما أراد بقوله ذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها (وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ) مبنيٌّ للمفعول كسابقه؛ أي: لا يُعمَل فيها عملٌ مخالفٌ للكتاب والسُّنَّة (مَنْ أَحْدَثَ) أي: فيها (حَدَثًا) مخالفًا لما جاء به الرَّسول عليه الصلاة والسلام، وزاد شعبة فيه عن عاصمٍ عند أبي عَوانة: «أو آوى محدثًا» قال الحافظ ابن حجر: وهي زيادةٌ صحيحةٌ إلَّا أنَّ عاصمًا لم يسمعها من أنسٍ (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وعيدٌ شديدٌ، لكنَّ المرادَ باللَّعن هنا [5] العذابُ الذي يستحقُّه على ذنبه، لا كلعن الكافر المُبعَد عن رحمة الله كلَّ الإبعاد.
وهذا الحديث من الرُّباعيَّات، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦7306]، ومسلمٌ في «المناسك».
ج3ص329


[1] في (د): «المعجمة».
[2] في (د): «اسم».
[3] «لكن»: ليس في (د).
[4] زيد في غير (د) و(س): «بن»، وليس بصحيحٍ.
[5] في (د): «ممدودًا»، ولعلَّه تحريفٌ.