إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: وهل ترك عقيل من رباع أو دور

1588- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين، ولأبي ذرٍّ: ((ابن الحسين)) (عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان أمير المؤمنين رضي الله عنه، و«عَمْرو»: بفتح العين وسكون الميم [1] (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حِبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ) زاد في «المغازي»: «غدًا» [خ¦4282] (فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ)؟ قال في «الفتح»: حُذِفت أداة الاستفهام من قوله: «في دارك» بدليل رواية ابن خزيمة والطَّحاويِّ عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهبٍ؛ بلفظ: أتنزل في دارك؟ قال: فكأنَّه استفهمه أوَّلًا عن مكان نزوله، ثمَّ ظنَّ أنَّه ينزل في داره، فاستفهمه عن ذلك. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ «أين» كلمة استفهامٍ فلم يبق وجهٌ لتقدير حرف الاستفهام، قال: وما وجه قوله: حُذِفت أداة الاستفهام، من قوله: «في دارك» والاستفهام عن [2] النُّزول في الدَّار لا عن نفس الدار؟. انتهى. والذي قاله في «الفتح» هو الأظهر، فليُتأمَّل (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (وَهَلْ تَرَكَ) زاد مسلمٌ _كالبخاريِّ في «المغازي»_ هنا [3]: «لنا» [خ¦4282] (عَقِيلٌ) [4] بفتح العين وكسر القاف (مِنْ رِبَاعٍ) بكسر الرَّاء جمع رَبْعٍ، المحلَّة أو المنزل المشتمل على أبياتٍ أو الدَّار [5]، وحينئذٍ فيكون قوله: (أَوْ دُورٍ؟) تأكيدًا أو شكًّا من الرَّاوي، وجمع النَّكرة _وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاريِّ تفيد [6] العموم_ للإشعار بأنَّه لم يُترَك من الرِّباع المتعدِّدة شيءٌ، و«من»
ج3ص153
للتَّبعيض، قاله الكرمانيُّ، وقِيلَ: إنَّ هذه الدَّار كانت لهاشم بن عبد منافٍ، ثمَّ صارت لابنه عبد المطَّلب فقسمها بين ولده، فمن ثمَّ صار للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حقُّ أبيه عبد الله، وفيها وُلِدَ النَّبيُّ [7] صلى الله عليه وسلم، قاله الفاكهيُّ، وظاهر قوله: «وهل ترك لنا عَقِيلٌ من رِبَاعٍ؟» أنَّها كانت ملكه فأضافها إلى نفسه، فيحتمل أنَّ عَقِيلًا تصرَّف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين، ويحتمل غير ذلك، وقد فسَّر الرَّاوي _ولعلَّه أسامة_ المرادَ بما أدرجه هنا حيث قال: (وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ) أباه (أَبَا طَالِبٍ) اسمه: عبد منافٍ (هُوَ وَ) أخوه (طَالِبٌ) المُكنَّى به عبد منافٍ أبوه (وَلَمْ يَرِثْهُ) أي: ولم يرث أبا طالبٍ ابناه (جَعْفَرٌ) الطَّيَّار ذو الجناحين (وَلَا عَلِيٌّ) أبو ترابٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما شَيْئًا [8] لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ) ولو كانا وارثين لنزل عليه الصلاة والسلام في دورهما [9]، وكانت كأنَّها ملكه؛ لعلمه بإيثارهما إيَّاه على أنفسهما، وكان قد استولى طالبٌ وعَقِيلٌ على الدَّار كلِّها باعتبار ما ورثاه عن [10] أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، و [11] باعتبار ترك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لحقِّه منها بالهجرة، وفقد طالبٍ ببدرٍ، فباع عَقِيلٌ الدَّار كلها، وحكى الفاكهيُّ [12]: أنَّ الدَّار لم تزل بيد أولاد عَقِيلٍ إلى أن باعوها لمحمَّد بن يوسف أخي الحجَّاج بمئة ألف دينارٍ، وقال الدَّاوديُّ وغيره: كان [13] من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره، فأمضى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم تصرُّفات الجاهليَّة تأليفًا لقلوب من أسلم منهم.
(وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ) ممَّا هو موقوفٌ عليه: (لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ) وقد أخرجه المؤلِّف مرفوعًا في «المغازي» [خ¦4283] (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (وَكَانُوا) أي: السَّلف (يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى) أي: يفسِّرون الولاية في قوله تعالى: ({إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا}) أي: صدَّقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم والقرآن ({وَهَاجَرُوا}) من مكَّة إلى المدينة ({وَجَاهَدُوا}) العدوَّ ({بأَمْوَالِهِمْ}) فصرفوها في الكراع والسِّلاح وأنفقوها على المحاويج ({وَأَنْفُسِهِمْ}) بمباشرة القتال ({فِي سَبِيلِ اللهِ}) في طاعته وما فيه رضاه ({وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا}) هم الأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم ({أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}...الآيَةَ [الأنفال: 72] ) بالنَّصب؛ يعني: بتمامها، أو بتقدير: اقرأ، بولاية الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنُّصرة دون الأقارب، حتَّى نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] والذي يُفهَم من الآية المسوقة هنا: أنَّ المؤمنين يرث بعضهم بعضًا، ولا يلزم منه أنَّ المؤمن لا يرث الكافر، لكنَّه مستفادٌ من بقيَّة الآية المشار إليها بقول المؤلِّف: «الآية»؛ وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72] أي: من تولِّيهم في الميراث؛ إذ الهجرة كانت في أوَّل عهد البعثة من تمام الإيمان، فمن لم يكن مهاجرًا كأنَّه ليس مؤمنًا فلهذا لم يرث المؤمن المهاجر منه، وسقط قوله «الآيةَ» في رواية ابن عساكر.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦3058] و«المغازي» [خ¦4282]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه فيه وفي «الفرائض».
ج3ص154


[1] في (م): «الواو»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (ص) و(م): «من»، وهو تحريفٌ، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[3] في (م): «مسلمٌ وغيره هنا».
[4] «عَقِيلٌ»: سقط من (م).
[5] في (د): «الدُّور».
[6] في (د): «وإن كان في...... يفيد».
[7] «النَّبيُّ»: ليس في (د).
[8] في هامش (ص): (قوله: «شيئًا»: مفعولٌ مطلقٌ، وهل يصحُّ أن يكون مفعولًا لـ «يرثه»، ويكون التَّقدير: يرث منه شيئًا، فحُذِف الجارُّ واتَّصل الضَّمير، أو هو مفعولٌ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: أعني شيئًا، وفي «البيضاويِّ» في «سورة يونس» عند قوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36]: يجوز أن يكون {شَيْئًا} مفعولًا به.... إلى آخره). انتهى عجميٌّ.
[9] في (د): «دارهما».
[10] في (د) و(س): «من».
[11] في غير (ص) و(م): «أو باعتبار».
[12] في هامش (ص): (قوله: «وحكى الفاكهيُّ»... إلى آخره، لعلَّ ذلك مبنيٌّ على أنَّها عادت إليه، أو إلى أولاده بعد تصرُّفه فيها، فلا ينافي ما في «الصَّحيح»). انتهى «عجميٌّ».
[13] زيد في (ب) و(س): «كلُّ».