إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان الناس يطوفون في الجاهلية عراةً إلا الحمس

1665- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الَمغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة آخره راءٌ ممدودةٌ، و«فَرْوَة»: بفتح الفاء والواو بينهما راءٌ ساكنةٌ الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء، قاضي الموصل (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (قَالَ عُرْوَةُ) أبو هشامٍ: (كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) بالكعبة، حال كونهم (عُرَاةً إِلَّا الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ) من أمَّهاتهم، وعبَّر بـ «ما» دون «مَنْ» لقصد التَّعميم، وزاد معمرٌ: «وكان [1] ممَّن ولدت قريشٌ خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة» وعند إبراهيم الحربيِّ: وكانت قريشٌ إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أنَّ ولدها على دينهم، فدخل في الحُمْس من غير قريشٍ ثقيفٌ وليثٌ وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة؛ يعني: وغيرهم، وعُرِف بهذا أنَّ المراد بهذه القبائل من كانت له من أمَّهاته قرشيَّةٌ [2]، لا جميع القبائل المذكورة.
(وَكَانَتِ الْحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ) يعطونهم حسبةً لله (يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا [3]، وَتُعْطِي الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ [4] الْحُمْسُ) ثيابًا (طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ) أي: كان غير الحمس يدفعون (مِنْ عَرَفَاتٍ) قال الزَّمخشريُّ: عرفات: عَلَمٌ للموقف، سُمِّي بجمعٍ كأذرعاتٍ، فإن قلت: هلَّا منعت الصَّرف وفيها السَّببان التَّعريف والتَّأنيث؟ قلت: لا يخلو التَّأنيث؛ إمَّا أن يكون بالتَّاء التي في لفظها، وإمَّا [5] بتاءٍ مُقدَّرةٍ كما في «سعاد»، فالتي في لفظها ليست للتَّأنيث وإنَّما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المُؤنَّث، ولا يصحُّ تقدير التَّاء فيها لأنَّ هذه التَّاء لاختصاصها بجمع المُؤنَّث مانعةٌ من تقديرها كما لا تُقدَّر تاء التَّأنيث في «بنتٍ» لأنَّ التَّاء التي هي بدلٌ من الواو لاختصاصها بالمُؤنَّث؛ كتاء التَّأنيث، فأبت تقديرها، وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّه يلزمه إذا سمَّى امرأةً بـ «مسلمات» أن يصرفه، وهو قولٌ رديءٌ، والأفصح تنوينه، وهو يرى أنَّ تنوين «عرفاتٍ» للتَّمكين لا للمقابلة، ولم يعدَّ تنوين المقابلة في «مُفصَّله» بناءً منه [6] على أنَّه راجعٌ إلى التَّمكين،
ج3ص200
ونقل [7] الزَّجَّاج فيها وجهين: الصَّرفَ وعدمَه، إلَّا أنَّه قال: لا يكون إلَّا مكسورًا وإن سقط التَّنوين.
(وَتُفِيضُ [8] الْحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم؛ أي [9]: من المزدلفة، وسُمِّيت به لأنَّ آدم اجتمع فيها مع حوَّاء، وازدلف إليها، أي: دنا منها، أو لأنَّه يجمع فيها بين الصَّلاتين، وأهلها يزدلفون، أي: يتقرَّبون إلى الله تعالى بالوقوف فيها.
(قَالَ) هشامٌ: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بن الزُّبير: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُمْسِ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] ) إبراهيم الخليل عليه أفضل [10] الصَّلاة والسَّلام، رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ من حديث يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مِرْبَعٍ _بكسر الميم وسكون الرَّاء وفتح المُوحَّدة_ زيدٌ الأنصاريُّ، ونحن وقوفٌ بالموقف، فقال: إنِّي رسول [11] رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم [12]، يقول: «كونوا على مشاعركم، فإنَّكم على إرثٍ من إرث [13] إبراهيم عليه الصلاة والسلام» وقُرِئ: {النَّاسِ} بالكسر أي: النَّاسِ؛ يريد: آدم، من قوله تعالى: {فَنَسِيَ} [طه: 115] أو المراد: سائر النَّاس غير الحُمْس، قال ابن التِّين [14]: وهو الصَّحيح، والمعنى: أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب مع قريشٍ، كانوا يقفون بجمعٍ وسائر النَّاس بعرفة، ويرون ذلك ترفُّعًا عليهم _كما مرَّ_ فأُمِروا بأن [15] يساووهم، فإن قلت: ما وجه إدخال «ثمَّ» هنا، حيث كانت الإفاضة المذكورة بعدها هي بعينها الإفاضة المذكورة قبلها، فما معنى عطف الأمر بها بكلمة: «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّراخي على الأمر بالذِّكر المتأخِّر عنها؟ وكيف موقع «ثمَّ» من كلام البلغاء؟ فقال البيضاويُّ _كالزَّمخشريِّ_: و«ثمَّ» لتفاوت ما بين الإفاضتين كما في قولك: أحسن إلى النَّاس ثمَّ لا تحسن إلى غير كريمٍ، وزاد الزَّمخشريُّ: تأتي بـ «ثمَّ» لتُفاوِتَ ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره وبُعْد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذِّكر عند الإفاضة من عرفاتٍ، قال: {ثُمَّ أَفِيضُوا} لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأنَّ إحداهما صوابٌ، والأخرى خطأٌ. انتهى.
وتعقبَّه أبو حيَّان فقال: ليست الآية كالمثال الذي مثَّله، وحاصل ما ذكر: أنَّ «ثمَّ» تسلب التَّرتيب، وأنَّ لها معنًى غيره، سمَّاه بالتَّفاوت والبُعد لما بعدها ممَّا قبلها، ولم يجرِ في الآية أيضًا [16] ذكر الإفاضة الخطأ، فتكون «ثمَّ» في قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا} جاءت لبُعْد ما بين الإفاضتين وتفاوتهما، ولا نعلم [17] أحدًا سبقه إلى إثبات هذا المعنى لـ «ثمَّ». انتهى. وقِيلَ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} وهم الحُمْس، أي: من المزدلفة إلى منًى بعد الإفاضة من عرفاتٍ. انتهى. فيكون المراد بـ {النَّاسُ} هنا: المعهودين؛ وهم الحُمْس، ويكون هذا الأمر أمرًا بالإفاضة من المزدلفة إلى منًى بعد الإفاضة من عرفاتٍ.
(قَالَ) عروة، ولابن عساكر: ((قالت)) أي: عائشة: (كَانُوا) أي: الحُمْس (يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ) من المزدلفة (فَدُفِعُوا) بضمِّ الدَّال المهملة مبنيًّا للمفعول، أي: أُمِروا بالذَّهاب (إِلَى عَرَفَاتٍ) حيث قِيلَ لهم: أفيضوا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فرُفِعوا)) بالرَّاء بدل الدَّال، ولـ «مسلمٍ»: رجعوا إلى عرفاتٍ؛ يعني: أُمِروا أن يتوجَّهوا إلى عرفاتٍ ليقفوا بها، ثمَّ يفيضوا منها.
ج3ص201


[1] «وكان»: ليس في (د).
[2] (د): «قريشيَّةٌ».
[3] في (م): «بها».
[4] في غير (م): «تعطه»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة»، وزيد في (ل): «ثيابًا».
[5] في (ص): «يكون».
[6] «منه»: ليس في (د).
[7] زيد في (ص): «ابن»، وليس بصحيحٍ.
[8] في غير (د) و(س): «ويفيض»، وكذا في «اليونينيَّة».
[9] «أي»: ليس في (ص).
[10] «أفضل»: ليس في (ص) و(م).
[11] «رسول»: سقط من (د).
[12] «إليكم»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[13] «من إرث»: ليس في (د).
[14] في (د): «المنيِّر».
[15] في (ص): «أن».
[16] «أيضًا»: ليس في (د).
[17] في (ص): «أعلم».