إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[كتاب المساقاة]

((42)) (كِتَابِ المُسَاقَاةِ) هي مأخوذةٌ من السَّقي المحتاج إليه فيها غالبًا؛ لأنَّه أنفع أعمالها وأكثرها مؤنةً، وحقيقتها: أن يُعامل غيره على نخلٍ أو شجر عنبٍ؛ ليتعهَّده بالسَّقي والتَّربية على أنَّ الثَّمرة لهما، والمعنى فيها: أنَّ مالكَ الأشجارِ قد لا يُحسن تعهُّدها أو لا يتفرَّغ له، ومن يحسن ويتفرَّغ قد لا يملك الأشجار، فيحتاج ذاك [1] إلى الاستعمال وهذا إلى العمل، ولو اكترى المالك لزمته
ج4ص191
الأجرة في الحال، وقد لا يحصل له شيءٌ من الثِّمار ويتهاون العامل فيها [2]، فدعت الحاجة إلى تجويزها.
(1) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الشِّرْبِ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: باب الحكم في قسمة الماء، و«الشِّرب» في «الأصل» بالكسر [3]: النَّصيب والحظُّ من الماء، وفي الفرع: بضمِّها، وعزاه عياضٌ للأَصيليِّ، قال: والكسر أولى، وقال السَّفاقسيُّ: من ضبطه بالضَّمِّ أراد المصدر، وقال غيره: المصدر مُثلَّثٌ [4]، وسقط لأبي ذرٍّ «كتاب المساقاة» ولفظ: «باب»، قال ابن حجرٍ: ولا وجه لقوله: «كتاب المساقاة»؛ فإنَّ التَّرجمة التي فيه غالبها تتعلَّق بإحياء الموات. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: ({وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}) بالجرِّ، صفةٌ لـ «شيءٍ» أي: كلَّ حيوانٍ؛ كقوله تعالى: {وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَاءٍ} [النُّور: 45] أو كأنَّما خلقناه من ماءٍ لفرط احتياجه إليه وحبِّه له، وقلَّة صبره عنه؛ كقوله تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] أو المعنى: صيَّرنا كلَّ شيءٍ حيٍّ بسببٍ من الماء لا يحيا دونه، وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد قال: قلت: يا رسول الله؛ إنِّي إذا رأيتك طابت نفسي وقرَّت عيني، فأنبئني عن كلِّ شيءٍ، قال: «كلُّ شيءٍ خُلِق من الماء...»؛ الحديث، وإسناده على شرط الشَّيخين إلَّا أبا ميمونة فمن رجال السُّنن، واسمه: سليمٌ، والتِّرمذيُّ يصحِّح له، وروى ابن أبي حاتمٍ عن أبي العالية: أنَّ المراد بـ «الماء» [5]: النُّطفة ({أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] ) مع ظهور الآيات الواضحة [6].
(وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ}) أي: العذب الصَّالح للشُّرب ({أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ}) بقدرتنا ({لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68-70] ) قال البخاريُّ تبعًا لأبي عبيدٍ: (الأُجَاجُ: الْمُرُّ) وقيل: هو الشَّديد الملوحة أو المرارة، أو الحارُّ [7]، حكاه ابن فارسٍ، وقال المؤلِّف تبعًا لقتادة ومجاهدٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ عنهما: (الْمُزْنُ: السَّحَابُ) وقيل: هو الأبيض وماؤه أعذب [8]، وفي رواية المُستملي: ((أجاجًا [9] منصبًّا))، وهو موافقٌ لتفسير ابن عبَّاسٍ وقتادة ومجاهدٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ: «المزن: السَّحاب، الأجاج: المرُّ، فراتًا: عذبًا» وعن السُّدِّيِّ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: العذب [10]: الفرات الحلو، وقوله: «ثجَّاجًا» و«فراتًا» ذكرهما هنا استطرادًا على عادته في زيادته [11] فرائد الفوائد، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: (({أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} إلى قوله: {فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}))، وقد أورد الزَّمخشريُّ هنا سؤالًا فقال: فإن قلت: لِمَ أُدخِلت اللَّام على جواب «لو» في قوله تعالى: {لَو نَشَاءُ [12] لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} [الواقعة: 65] ونُزِعت منه [13] ههنا؟ وأجاب: بأنَّ «لو» لمَّا كانت داخلةً على جملتين، مُعلَّقةٍ ثانيتهما بالأولى تعلُّق [14] الجزاء بالشَّرط، ولم تكن مخلِّصةً للشَّرط كـ «إنْ»، و«لا» عاملةً مثلها، وإنَّما سرى فيها معنى الشَّرط اتِّفاقًا من حيث إفادتها في مضمون جملَتَيها أنَّ الثَّاني امتنع لامتناع الأوَّل؛ افتقرت في جوابها إلى ما يُنصبُّ علمًا على هذا التعلُّق [15]، فزيدت هذه اللَّام لتكون عَلَمًا على ذلك، فإذا حُذِفت بعد ما صارت علمًا مشهورًا مكانه؛ فلأنَّ الشَّيء إذا عُلِم وشُهِر موقعُه وصار مألوفًا ومأنوسًا به؛ لم يُبالَ بإسقاطه عن اللَّفظ؛ استغناءً بمعرفة السَّامع، أو أنَّ هذه اللَّام مفيدةٌ معنى التَّوكيد لا محالةَ، فأُدخِلت في آية المطعوم دون آية المشروب؛ للدَّلالة على أنَّ أمر المطعوم مُقدَّمٌ على أمر المشروب، وأنَّ الوعيد بفقده أشدُّ وأصعبُ من قِبَلِ أنَّ المشروب إنَّما يُحتاج إليه تبعًا للمطعوم، ولهذا قُدِّمت آية المطعوم على آية المشروب. انتهى.
ج4ص192


[1] في (د) و(م): «ذلك»، وفي (ص): «ذا».
[2] «فيها»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[3] «بالكسر»: ليس في (د).
[4] قوله: «وفي الفرع: بضمِّها، وعزاه ... وقال غيره: المصدر مُثلَّثٌ» سقط من (د) و(د1) و(م).
[5] «بالماء»: ليس في (د).
[6] «الواضحة»: ليس في (د) و(س).
[7] «أو الحارُّ»: ليس في (د).
[8] في (د): «عذب».
[9] في (د): «ثجَّاجًا»، وهو تحريفٌ.
[10] «العذب»: ليس في (د).
[11] في غير (ب) و(د) و(س): «زيادت».
[12] «{لَو نَشَاءُ}»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[13] «منه»: ليس في (د).
[14] في (د): «تعليق».
[15] في (ب) و(د) و(د1): «التَّعليق».