إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به

3952- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دكين قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ مُخَارِقٍ) بضم الميم وتخفيف الخاء المعجمة وبعد الراء المكسورة قاف، ابنِ عبد الله بنِ جابرٍ البَجَلي الأحْمَسيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البَجَليِّ الأحمسيِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ [1] ) رضي الله عنه (مَشْهَدًا) نُسِبَ إلى الأسود؛ لأنه كان تبنَّاه في الجاهليَّة، وإلَّا فاسمُ أبيهِ عَمرو _بفتح العين_ ابن ثعلبةَ الكِنْديُّ [2]. وقول الزَّركشي في «التنقيح»: إنَّ «ابنَ» تكتب هنا بالألف؛ لأنَّه ليس واقعًا بين علمين. تعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه إذا وصفَ العلَم بابن متصلٍ مضافٍ إلى علَمٍ كفى ذلك في إيجابِ حذفِ الألفِ من «ابن» خطًّا، سواء كان العلمُ الذي أُضِيف إليه ابن علمًا لأبي الأوَّل حقيقةً أو لا. وهذا ظاهرُ كلامِهم، وكونُ الأُبوَّة حقيقة لم أرهم [3] تعرَّضوا لاشتراطهِ فما أدري مِن أين أخذَ الزَّرْكشيُّ هذا الكلام، وقد يقال: الأب حقيقة في أبي الولادةِ، فيحملُ إطلاقهم عليه؛ لأنَّه الأصلُ، ثمَّ إني لأعجبُ [4] من ترتيبهِ نفيَ وقوعِ «ابن» هنا بين عَلَمين على كونِ الأسود كان تبنَّاه في الجاهليَّة، فإنَّ تبنِّيه لا يدفعُ صورةَ الواقعِ من كون الابنِ قد وقعَ بين عَلَمين فتأمَّله. انتهى.
(لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ) بفتح اللام، ونصبِ «صاحبَه»، خبرُ «أكون» ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ ((أنا صاحبه)) بزيادة «أنا» مع الرَّفع، والنَّصبُ أوجه قاله ابن مالك، أي: صاحبَ المشهدِ، أي: قائلَ تلك المقالةِ التي قالها (أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ) بضم العين وكسر الدال، أي: وزن (بِهِ) من كلِّ [5] شيءٍ يُقَابله من الدُّنيويات، أو الثَّواب، أو أعم من ذلك (أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ) الواو في «وهو»، للحالِ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (لَا نَقُولُ) بنونِ الجمعِ (كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى) له: ({اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} [المائدة: 24] ) قالوا ذلك استهانةً بالله ورسولهِ، وعدمِ مُبَالاة بهما، أو تقديره: اذهبْ أنت وربُّك يعينُك، فإنَّا لا نستطيعُ قتالَ الجبابرةِ. وقال السَّمَرْقَنْدي [6]: أنت وسيدَك هارون؛ لأنَّ هارون كان أكبرَ منه بسنتين أو ثلاث سنين (وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ) عدوك (عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ) أي: استنارَ (وَسَرَّهُ) عليه الصلاة والسلام (يَعْنِي: قَوْلَهُ) أي: قول المقداد رضي الله تعالى عنه، وعند ابنِ إسحاق: أن هذا الكلام قالهُ المقدادُ لمَّا وصلَ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الصَّفراء، وبلغَهُ أنَّ قريشًا قصدتْ بدرًا، وأنَّ أبا سفيان نجا بمن معه، فاستشارَ الناس فقامَ أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه
ج6ص245
فقالَ فأحسنَ، ثمَّ عمرُ رضي الله عنه كذلك، ثمَّ المقدادُ فذكرَ نحو ما في حديثِ الباب، وزاد: والذي بعثَكَ بالحقِّ نبيًّا [7] لو سلكْتَ بنَا [8] بَرْكَ الغِمَاد لجاهدنا معك من دونهِ، قال: فقال: «أشيروا علي» قال: فعرفوا أنَّه يريدُ الأنصار، وكان يتخوَّف أن لا يوافقوه؛ لأنهم لم يبايعُوه إلَّا على نُصرته ممَّن يقصدهُ، لا أن يسيرَ بهم إلى العدوِّ، فقال له سعدُ بنُ معاذ رضي الله عنه: امضِ يا رسولَ الله لِمَا أُمرْتَ به، فنحن معك. قال: فسرَّه قولُه ونشَّطَهُ [9]، وسقطَ للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المُستملي قوله: «يعني: قولَه».
ج6ص246


[1] في هامش (ص): (قوله: «المقداد ابن الأسود» كذا في «الفرع الِمزِّيِّ» بغير ألفٍ بينهما، وأنت خبيرٌ بأنَّه أبوه الأعلى؛ فتكتب بينهما الألف). انتهى.
[2] «الكندي»: ليس في (د).
[3] «أرهم»: ليس في (ص).
[4] في (ب) و(ص): «لا أعجب»، وفي (م): «لا عجب».
[5] «كل»: ليس في (س) و(ص).
[6] في هامش (ص): (قوله: «السَّمَرْقَنْدِيُّ»؛ بفتح المهملة والميم وسكون الرَّاء وفتح القاف وإسكان النُّون ودالٍ مهملةٍ آخرها: مدينةٌ عظيمةٌ، يقال: إنَّ لها اثني عشر بابًا، بين كلِّ بابين فرسخٌ، وهي معرَّب «شَمِرْكَنْد» بإعجام الشِّين والكاف. انتهى. شيخنا بهامش «اللُّبِّ»، وإسكان الميم وفتح الرَّاء لحنٌ). انتهى. «قاموس».
[7] «نبيًا»: ليست في (د).
[8] «بنا»: ليست في (س).
[9] «ونشطه»: ليست في (د).