إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[كتاب الرهن]

(1) (كتابٌ) بالتَّنوين (فِي الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((كتاب الرَّهن))، ولغير أبي ذرٍّ: ((بابٌ)) بالتَّنوين بدل كتابٌ ((في الرَّهن))، وفي النُّسخة المقروءة على الميدوميِّ: ((كتاب الرَّهن، باب الرَّهن في الحضر))، ولابن شَبُّويه: ((باب ما جاء....)) إلى آخره، والرَّهن لغةً: الثُّبوت، ومنه الحالة الرَّاهنة، أي: الثَّابتة، وقال الإمام: الاحتباس، ومنه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدَّثِّر: 38] وشرعًا: جعل عينٍ متموَّلةٍ وثيقةً بدَينٍ يُستوفَى منها عند تعذُّر وفائه، ويُطلَق أيضًا على العين المرهونة؛ تسميةً للمفعول باسم المصدر (وَقَوْلِهِ تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] ) بكسر الرَّاء وفتح الهاء وألفٍ بعدها، جمع رهنٍ، و«فَعْلٌ» و«فِعَالٌ» يطَّرد كثيرًا؛ نحو: كَعْبٍ وكِعَابٍ، وكَلْبٍ وكِلَابٍ، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: (({فَرُهُنٌ})) بضمِّ الرَّاء والهاء من غير ألفٍ، جمع رهنٍ، و«فَعْلٌ» يُجمَع على «فُعُل»؛ نحو: سَقْفٍ وسُقُفٍ، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثيرٍ وابن مُحَيْصِنٍ واليزيديِّ، قال أبو عمرو بن العلاء: إنَّما قرأت: {فَرُهُنٌ} للفصل بين الرِّهان في الخيل وبين جمع رهنٍ في غيرها، ومعنى الآية _كما قال القاضي رحمه الله_: فارهنوا واقبضوا؛ لأنَّه مصدرٌ جُعِل جزاءً للشَّرط بالفاء، فجرى مجرى الأمر؛ كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النِّساء: 92] {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمَّد: 4] وقيَّده في التَّرجمة بالحضر؛ إشارةً إلى أنَّ التَّقييد بالسَّفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيَّته في الحضر، وهو قول الجمهور، واحتجُّوا له من حيث المعنى: بأنَّ الرَّهن شُرِع توثقة [1] على الدَّين؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [البقرة: 283] فإنَّه يشير إلى أنَّ المراد بالرَّهن: الاستيثاق [2]، وإنَّما قيَّده بالسَّفر لأنَّه مظنَّة فقد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب، وخالف [3] في ذلك مجاهدٌ والضَّحَّاك فيما نقله الطَّبريُّ عنهما فقالا: لا يُشرَع إلَّا في السَّفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظَّاهر، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((وقول الله تعالى: {فَرُهُنٌ [4] مَقْبُوضَةٌ})) كذا في الفرع، وهو ينافي قول الحافظ ابن حجرٍ: وكلُّهم ذكر الآية من أوَّلها.
ج4ص295


[1] توثقةً مثبتٌ من (م).
[2] في (د): «الاستيفاء».
[3] في (د): «وخالفه».
[4] في غير (د) و(س): «{فَرِهَانٌ}»، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو.