إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[كتاب الحوالة]

(1) هذا [6] (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الْحَوَالَةِ، وَهَلْ يَرْجِعُ) المُحِيل (فِي الْحَوَالَةِ) أم لا؟ فإن قلنا: إنَّها عقدٌ لازمٌ؛ لا يرجع، ولها ستَّة أركانٍ: مُحيلٌ، ومحتالٌ، ومُحالٌ عليه، ودَينٌ للمحتال على المحيل، ودَينٌ للمُحيل على المحال عليه، وصيغةٌ؛ وهي بيع دينٍ بدينٍ جُوِّز للحاجة، ولهذا لم يُشترَط التَّقابض في المجلس، وإن كان الدَّينان رِبَويَّين؛ فهي بيعٌ؛ لأنَّها إبدال مالٍ بمالٍ، فإنَّ كلًّا من المُحيل والمحتال يملك بها ما لم يملكه قبلها، لا استيفاءَ لحقٍّ [7] بأن يُقدَّر أنَّ المحتال استوفى ما كان له على المحيل وأقرضه المحال عليه. وشروطها: رضا المحيل والمحتال؛ لأنَّ للمحيل إيفاء الحقِّ من حيث شاء فلا يُلزَم بجهةٍ، وحقُّ المحتال في ذمَّة المحيل فلا ينتقل إلَّا برضاه، ومعرفة رضاهما بالصِّيغة، ولا يُشترَط رضا المحال عليه؛ لأنَّه محلُّ الحقِّ والتَّصرُّف؛ كالعبد المبيع، ولأنَّ الحقَّ للمحيل فله أن يستوفيه بغيره؛ كما لو وكَّل غيره بالاستيفاء، والإيجاب والقبول كما في البيع، وأن تكون الحوالة بدينٍ لازمٍ، فلو أحال على من لا دَين عليه؛ لم تصحَّ الحوالة ولو رضي بها؛ لعدم الاعتياض؛ إذ ليس عليه شيءٌ يجعله عوضًا عن حقِّ المحتال، فإن تطوَّع بأداء دينِ المحيل؛ كان قاضيًا دين غيره، وهو جائزٌ، ويُشترَط أيضًا اتِّفاق الدَّينين جنسًا وقدرًا، وحلولًا وتأجيلًا، وصحَّةً وتكسيرًا، وجودةً ورداءةً، وقال المالكيَّة: ولا يُشترَط رضا المحال عليه على المشهور؛ خلافًا لابن شعبان، وعلى المشهور فيُشترَط في ذلك السَّلامة من العداوة، وهو قول مالكٍ، وحقيقتها أن تكون على أصل دينٍ، فإن لم تكن على أصل دينٍ [8] انقلبت حمالَةً [9] ولو كانت بلفظ الحوالة، واشترط الحنفيَّة رضا المحال عليه لتفاوت النَّاس في الاقتضاء، فلعلَّ المحال عليه أعسر وأفلس، فيُشترَط رضاه دفعًا للضَّرر عنه، وقال الحنابلة: ولا يُعتبَر رضا محتالٍ [10] إن كان المحال عليه مليًّا ولو ميتًا [11]، قاله في «الرِّعاية».
(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ (وَقَتَادَةُ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة والأثرم واللَّفظ له: وقد سُئِلا عن رجلٍ أحال على رجلٍ فأفلس، فقالا: (إِذَا كَانَ) المحال عليه (يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا) أصله: «مليئًا»؛ بالهمزة بعد الياء السَّاكنة، فأُبدِلت الهمزة ياءً، وأُدغِمت الياء في الياء، أي: غنيًّا، وجواب «إذا» قوله: (جَازَ) أي: الفعل؛ وهو الحوالة، وليس له، أي: للمحتال أن يرجع على المحيل، ومفهومه: أنَّه إذا كان مفلسًا يوم الحوالة له الرُّجوع، ومذهب الشَّافعيِّ: أنَّ المحتال لا يرجع بحالٍ حتَّى لو أفلس المحال عليه، ومات أو لم يمت، أو جحد وحلف؛ لم يكن للمحتال الرُّجوع على المحيل؛ كما لو تعوَّض عن الدَّين ثمَّ تلف الدَّين في يده، وكذا لو بان المحال عليه عبدًا لغير المحيل، بل يطالبه بعد العتق. وقال الحنابلة: يرجع على المحيل إذا شرط ملاءةَ المحال عليه فتبيَّن مفلسًا. وقال المالكيَّة: يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرورٌ بأن يكون إفلاس المحال عليه مقترنًا بالحوالة، وهو جاهلٌ به مع علم المحيل به، وقال الحنفيَّة: يرجع عليه إذا تَوِي حقُّه، والتَّوى عند أبي حنيفة: إمَّا أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بيِّنة عليه، أو يموت مفلسًا، وقال محمَّدٌ وأبو يوسف: يحصل التَّوى بأمرٍ ثالثٍ؛ وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما. ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ [12] ) إذا كان لهما دينٌ على إنسانٍ، فأفلس أو مات أو جحد وحلف حيث لا بيِّنة يخرج هذا الشَّريك ممَّا وقع في نصيب صاحبه، وذلك الآخر كذلك في القسمة بالتَّراضي بغير قرعةٍ مع استواء الدَّين (وَ) كذا يتخارج (أَهْلُ الْمِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا، فَإِنْ تَوِيَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الواو، على
ج4ص143
وزن «قَوِي»، من تَوِي المال يَتْوَى، من باب: عَلِم يَعْلَم؛ إذا هلك، أي: فإن هلك (لأَحَدِهِمَا) شيءٌ ممَّا أخذه (لَمْ يَرْجِعْ عَلَى [13] صَاحِبِهِ) لأنَّه رضي بالدَّين عوضًا، فتوي في ضمانه؛ كما لو اشترى عينًا فتلفت في يده، وقد ألحق المؤلِّف الحوالة بذلك، وكذلك الحكم بين الورثة كما أشار إليه بقوله: «وأهل الميراث».
ج4ص144


[1] «أبي ذرٍّ عن»: ليس في (د).
[2] «وأصله»: ليس في (د).
[3] كذا في كل النسخ، ووقع في الفتح» (4/464): «باب»، وفي هامش (ص): (قوله: «وقال الحافظ ابن حجرٍ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم كتاب الحوالة» كذا بخطِّ الشَّارح القسطلانيِّ، والذي في النُّسخ المعتمدة التي عليها خطُّ الحافظ: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم باب الحوالة»؛ كذا للأكثر... إلى آخره؛ فليُتأمَّل في كلامه). انتهى.
[4] في (ب): «الحوالات»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[5] هو كسابقه.
[6] «هذا»: ليس في (د).
[7] في (د): «الحقَّ»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[8] في (د): «وإلَّا»، بدلًا من قوله: «فإن لم تكن على أصل دينٍ».
[9] في غير (ب) و(س): «حالَّةً»، ولعلَّه تحريفٌ.
[10] في (د): «المحتال».
[11] في (د): «صبيًّا».
[12] في هامش (ص): (قوله: «يتخارج الشَّريكان...» إلى آخره: قال في «النِّهاية»: أي: إذا كان المتاع بين ورثةٍ لم يقتسموه، أو بين شركاء وهو في يد بعضهم دون بعضٍ؛ فلا بأس أن يتبايعوه بينهم، وإن لم يعرف كلُّ واحد منهم نصيبه بعينه ولم يقبضه، ولو أراد أجنبيٌّ أن يشتري نصيب أحدهم؛ لم يجز حتَّى يقبضه صاحبه قبل البيع، وقد رواه عطاءٌ عنه مُفسَّرًا، قال: لا بأس أن يتخارج القوم في الشَّركة التي بينهم، فيأخذ هذا عشرة دنانير نقدًا، وهذا عشرة دنانير دَينًا، والتَّخارج: «تفاعلٌ» من الخروج، فإنَّه يخرج كلُّ واحدٍ عن ملكه إلى صاحبه بالبيع). انتهى.
[13] في (ص): «غير»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».