إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مكتوب بين عينيه كافر

1555- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة، وهو محمَّد بن إبراهيم بن أبي عديٍّ [1] (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العين وسكون الواو عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْرٍ _بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة_ المخزوميِّ مولاهم المكِّيِّ، إمامٌ في التَّفسير (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ) أي: الدَّجال، والهمزة مفتوحةٌ (قَالَ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) في موضع رفع خبر «أنَّ»، و«كافرٌ» رُفِع بقوله: «مكتوبٌ»، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ) عليه الصلاة والسلام، زاد في «باب الجعد» من «كتاب اللِّباس»: «قال ذلك» [خ¦5913] (وَلَكِنَّهُ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) رؤيا حقيقيَّةً بأن يجعل الله لروحه مثالًا يُرَى في اليقظة كما يُرَى في النَّوم كليلة الإسراء، والأنبياء أحياءٌ عند ربِّهم يُرزَقون، وقد رأى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم موسى قائمًا في قبره يصلِّي كما رواه مسلمٌ عن أنسٍ، أو أنَّه عليه الصلاة والسلام نظر ذلك في المنام، وبذلك صرَّح موسى بن عقبة في روايته عن نافعٍ: ورؤيا الأنبياء حقٌّ ووحيٌ، أو أنَّه مُثِّلت له حالة موسى عليه السلام التي كان عليها في الحياة، وكيف يحجُّ ويلبِّي، أو أنَّه عليه الصلاة والسلام أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدَّة قطعه به قال: «كأنِّي أنظر إليه» (إِذِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي) وادي الأزرق (يُلَبِّي) بحذف الألف بعد الذَّال، ولأبي ذرٍّ: ((إذا)) [2] بإثباتها، وأنكرها
ج3ص118
بعضهم، وغلَّط [3] راويها كما حكاه عياضٌ، قال: وهو غلطٌ منه إذ لا فرق بين «إذا» و«إذ» هنا لأنَّه وصفه حالة انحداره فيما مضى، وقوله: «كأنِّي أنظر إليه» جواب «أمَّا»، والأصل: فكأنِّي فحذف [4] الفاء، وهو حجَّةٌ على من قال من النُّحاة: إنَّه لا يجوز حذفها، لكن قد يُقال: إنَّ حذفها وقع من الرَّاوي، وقد جوَّز ابن مالكٍ حذفها في السَّعة، وخصَّه بعضهم بالضَّرورة، وقد اعترض المُهلَّب قوله: موسى، وقال: إنَّه وهمٌ من بعض الرُّواة، وصُوِّب أنَّه عيسى لأنَّه حيٌّ، واستدلَّ بقوله في الحديث الآخر: «لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريم بفجِّ الرَّوحاء»، وأُجيب بأنَّه لا فرق بين موسى وعيسى لأنَّه لم يثبت أنَّ عيسى منذ رُفِع نزل إلى الأرض، وإنَّما ثبت أنَّه سينزل [5] عند أشراط السَّاعة، وقد أخرج مسلمٌ الحديث من طريق أبي العالية عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: «كأنِّي أنظر إلى موسى من الثَّنيَّة، واضعًا إصبعيه في أذنيه، مارًّا بهذا الوادي، وله جؤارٌ إلى الله تعالى بالتَّلبية» قاله لمَّا مرَّ بوادي الأزرق، وقد زاد في «باب الجعد» من «كتاب اللِّباس» ذِكْرَ إبراهيم، ولفظه: قال ابن عبَّاسٍ: لم أسمعه قال ذلك، ولكنَّه قال: «أمَّا إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأمَّا موسى فرجلٌ آدم جعدٌ على جملٍ أحمرَ، مخطومٍ بخُلْبةٍ [6]، كأنِّي أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبِّي» [خ¦5913] أفيُقال: إنَّ الرَّاوي غلط فزاد «إبراهيم»؟ وفي الحديث: أنَّ التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنَّها تتأكَّد عند الهبوط كما تتأكَّد عند الصُّعود.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦5913] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦3355]، ومسلمٌ في «الإيمان» [7].
ج3ص119


[1] في (د) و(م) «واسم أبي عديٍّ إبراهيم» بدلًا من «بن إبراهيم بن أبي عديٍّ».
[2] «إذا»: ليس في (د).
[3] في (ب) و(س): «فغلط».
[4] في (د): «بحذف».
[5] في (د): «ينزل».
[6] في (ب) و(س): «بخلب»، والمثبت موافقٌ لما في «صحيح البخاريِّ».
[7] في (م): «الأنبياء»، وليس بصحيحٍ.