إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع

1597- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ) بالعين المهملة وبعد الألف مُوحَّدةٌ مكسورةٌ وآخره سينٌ مُهمَلةٌ و«رَبيعة» _بفتح الرَّاء_ النَّخعيِّ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين (رَضِيَ اللهُ عَنهُ:
ج3ص161
أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ) بأن وضع فمه عليه من غير صوتٍ (فَقَالَ): ليدفع توهُّم قريب عهدٍ بإسلامٍ [1] ما كان يعتقد في حجارة أصنام الجاهليَّة من الضُّرِّ والنَّفع (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) أي: بذاتك، وإن كان امتثال ما شُرِع فيه ينفع في الثَّواب، لكن لا قدرة له عليه لأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشتهر في البلدان ويحفظه المتأخِّرون في الأقطار، لكن زاد الحاكم في هذا الحديث: فقال عليُّ بن أبي طالبٍ: بل _يا أمير المؤمنين_ يضرُّ وينفع، ولو علمت ذلك من تأويل كتاب الله تعالى لعلمت أنَّه كما أقول، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] فلمَّا أقرُّوا أنَّه الرَّبُّ عزَّ وجلَّ وأنَّهم العبيد كتب ميثاقهم في رقٍّ وألقمه في هذا الحجر، وأنَّه يُبعَث يوم القيامة، وله عينان ولسانٌ وشفتان، يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين الله في هذا الكتاب، فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرضٍ لست بها [2] يا أبا الحسن، وقال: ليس هذا على شرط الشَّيخين؛ فإنَّهما لم يحتجَّا بأبي هارون العبديِّ. ومن غرائب المتون ما في ابن أبي شيبة في آخر «مسند أبي بكرٍ رضي الله عنه» عن رجلٍ رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وقف عند الحجر، فقال: «إنِّي لأعلم [3] أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع» ثمَّ قبَّله، ثمَّ حجَّ أبو بكرٍ رضي الله عنه، فوقف عند الحجر، فقال: إنِّي لأعلم [4] أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا [5] أنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبَّلتك، فليُراجَع إسناده، فإن صحَّ يُحكَم [6] ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر هذا الجواب من [7] عليٍّ؛ أعني قوله: بل يضرُّ وينفع، بعدما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا تضرُّ ولا تنفع لأنَّه صورة معارضة، لا جرم أنَّ الذَّهبيَّ قال في «مختصره» عن العبديِّ: إنَّه ساقطٌ.
(وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولغير أبي ذرٍّ: ((النَّبيَّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) تنبيهٌ على أنَّه لولا الاقتداء ما قبَّله، وقال الطِّيبيُّ: اعلم أنَّهم ينزِّلون نوعًا من أنواع الجنس بمنزلة جنسٍ آخر باعتبار اتِّصافه بصفةٍ مختصَّةٍ به لأنَّ تغاير الصِّفات بمنزلة التَّغاير في الذَّوات، فقوله: «إنَّك حجرٌ» شهادةٌ له بأنَّه من هذا الجنس، وقوله: «لا تضرُّ ولا تنفع» تقريرٌ وتأكيدٌ بأنَّه حجرٌ كسائر الأحجار [8]، وقوله: «ولولا أنِّي رأيت....» إلى آخره إخراجٌ له عن هذا الجنس باعتبار تقبيله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
ج3ص162


[1] في (د): «بالإسلام».
[2] في (ب) و(س): «فيها».
[3] في (ص): «أعلم».
[4] في غير (د): «أعلم».
[5] زيد في (د): «أعلم»، ولعلَّه تكرارٌ.
[6] في (ص): «حُكِمَ».
[7] في (ب) و(س): «عن».
[8] في (ص): «الحجاز»، وهو تحريفٌ.