إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بعثني النبي إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء

1559- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين الجَدَليِّ _بفتح الجيم والدَّال المهملة_ الكوفيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليِّ، وفي «المغازي» [خ¦4346] من رواية أيُّوب بن عائذٍ [1] عن قيس ابن مسلمٍ: «سمعت طارق بن شهابٍ» (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في العاشرة من الهجرة قبل حجَّة الوداع (إِلَى قَوْمٍ بِالْيَمَنِ) ولأبي ذرٍّ: ((إلى قومي)) بياء الإضافة (فَجِئْتُ وَهْوَ بِالْبَطْحَاءِ) أي: بطحاء مكَّة، زاد في «باب متى يحلُّ المعتمر» [خ¦1795] من رواية شعبة عن قيسٍ: وهو منيخٌ، أي: نازلٌ بها (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) بإثبات ألف «ما» الاستفهاميَّة على القليل، قال أبو موسى: (قُلْتُ: أَهْلَلْتُ) وفي رواية شعبة: قلت: لبيَّك بإهلالٍ (كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا، فَأَمَرَنِي، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ) من إحرامي (فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي) لم تُسَمَّ المرأة، نعم في «أبواب العمرة» [خ¦1795] أنَّها امرأةٌ من قيسٍ، ويحتمل أن تكون محرمًا له (فَمَشَطَتْنِي) بتخفيف الشِّين المعجمة، أي: سرَّحته بالمشط (أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي) بالشَّكِّ، ولـ «مسلمٍ»: وغسلت رأسي بواو العطف، ولم يذكر الحلق إمَّا لكونه معلومًا عندهم، أو لدخوله في أمره بالإحلال (فَقَدِمَ) بكسر الدَّال، أي: جاء (عُمَرُ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أي: في [2] زمان خلافته لا [3] في حجَّة الوداع، كما بيَّن في مسلمٍ، واختصره المؤلِّف[خ¦1724] ولفظ مسلمٍ: ثمَّ [4] أتيت امرأةً من قيسٍ، فَفَلَتْ رأسي، ثمَّ أهللت بالحجِّ،
ج3ص122
فكنت أفتي به النَّاس حتَّى كان في خلافة عمر رضي الله عنه، فقال له رجلٌ: يا أبا موسى، أو يا عبد الله ابن قيسٍ، رويدك بعضَ فُتياك، فإنَّك لا تدري ما أحدث أميرُ المؤمنين في النُّسك بعدك، فقال: يا أيُّها النَّاس، من كنَّا أفتيناه فتيا فليتَّئد، فإنَّ أمير المؤمنين قادمٌ عليكم فَأْتَمُّوا به، قال: فقدم عمر، فذكرت له ذلك (فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ) أي: بإتمام أفعالهما بعد الشُّروع فيهما (قَالَ اللهُ [5] تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]) وقِيلَ: إتمامها الإحرام بهما من دويرة أهله، وهو مرويٌّ عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وسعيد بن جبيرٍ وطاوسٍ، وعند عبد الرَّزَّاق عن عمر [6]: من إتمامهما أن يفرد كلَّ واحدٍ منهما من الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحجِّ، إنَّ الله تعالى يقول: {الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] (وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (لَمْ يَحِلَّ) من إحرامه (حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ) بمنًى، وظاهر كلام عمر هذا: إنكارُ فسخ الحجِّ إلى العمرة، وأنَّ نهيه عن التَّمتُّع إنَّما هو من باب ترك الأَوْلى، لا أنَّه مَنَعَ ذلك مَنْعَ تحريمٍ وإبطالٍ، قاله عياضٌ. وقال النَّوويُّ: والمختار أنَّه ينهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجِّ، ثمَّ الحجُّ من عامه، وهو على التَّنزيه للتَّرغيب في الإفراد، ثمَّ انعقد الإجماع على جواز التَّمتُّع من غير كراهةٍ، وإنَّما أمر أبا موسى بالإحلال لأنَّه ليس معه هديٌ، بخلاف عليٍّ حيث أمره بالبقاء لأنَّ معه الهدي مع أنَّهما أحرما كإحرامه، لكن أمر أبا موسى بالإحلال تشبيهًا بنفسه لو لم يكن معه هديٌ، وأمر عليًّا تشبيهًا به في الحالة الرَّاهنة.
وفي الحديث: صحَّة الإحرام المُعلَّق، وهو موضع التَّرجمة، وبه أخذ الشَّافعيَّة _كما مرَّ_ أوَّل الباب [7].
ج3ص123


[1] في (د) و(م): «عائد»، في (ص): «عابد»، وهو تصحيفٌ.
[2] «في»: مثبتٌ من (ص).
[3] في (ص): «كما»، وهو تحريفٌ.
[4] «ثمَّ»: ليس في (م).
[5] «الله»: اسم الجلالة ليس في (د).
[6] في (ص): «معمر»، وهو تحريفٌ.
[7] «كما مرَّ أوَّل الباب»: ليس في (م).