إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن هذا البلد حرمه الله لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده

1587- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بفتح الجيم، و«عبد الحَمِيد» _بفتح الحاء المهملة وكسر الميم_ ابن قُرْطٍ _بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ_ الضَّبِّيُّ [1] الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ وقاضيها (عَنْ مَنْصُورٍ) هو [2] ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان، اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
ج3ص151
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ) زاد المؤلِّف في «باب غزوة الفتح»: «يوم خلق السَّموات والأرض فهي حرام بحرامِ [3] الله إلى يوم القيامة» [خ¦4313] يعني: أنَّ تحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرةٌ، ليس ممَّا أحدثه أو اختصَّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابرٍ عند مسلمٍ: أنَّ إبراهيم حرَّمها لأنَّ إسناد التَّحريم إليه من حيث إنَّه مبلِّغه، فإنَّ الحاكم بالشَّرائع والأحكام كلِّها هو الله تعالى والأنبياء يبلِّغونها، فكما تُضاف إلى الله تعالى من حيث إنَّه الحاكم بها تُضاف إلى الرُّسل لأنَّها تُسمَع منهم وتُبيَّن على لسانهم [4]، والحاصل: أنَّه أظهر [5] تحريمها بعد أن كان مهجورًا إلَّا أنَّه ابتدأه أو حرَّمها بإذن الله؛ يعني: أنَّه تعالى كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة بأمر الله تعالى.
(لَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح الضَّاد المعجمة، أي: لا يُقطَع (شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) لا يُزعَج من مكانه، فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل السُّكون ضمن دمه بالتَّنفير على الإتلاف ونحوه؛ لأنَّه إذا حُرِّم التَّنفير فالإتلاف أَولى (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقطَتَهُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة»، وبسكونها في غيرها، قال الأزهريُّ: والمحدِّثون لا يعرفون غير [6] الفتح، ونقل الطِّيبيُّ عن صاحب «شرح السُّنَّة» أنَّه قال: اللُّقطة: بفتح القاف [7]، والعامَّة تسكِّنها، وقال الخليل: هو بالسُّكون، وأمَّا بالفتح فهو الكثير الالتقاطِ، قال الأزهريُّ: وهو القياس، وقال ابن برِّيٍّ في حواشي «الصِّحاح»: وهذا هو الصَّواب لأنَّ الفعلة للفاعل كالضُّحَكَة: للكثير الضَّحك، وفي «القاموس»: واللَّقَطُ _مُحرَّكةً_ أي: بغير هاءٍ، وكحُزْمةٍ وهُمَزَةٍ وثُمامةٍ [8]: ما التُقِط. انتهى. وهي هنا نصب مفعولٍ مُقدَّمٍ، والفاعل قوله: (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أي: أشهرها، ثمَّ يحفظها لمالكها ولا يتملَّكها، أي: عرَّفها ليعرف مالكها فيردُّها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم فإنَّه يجوز تملُّكها بشرطه، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: حكمها واحدٌ في سائر البلاد لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «اِعرف عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها سنةً» [خ¦2372] من غير فصلٍ، لنا: أنَّ قوله: «ولا يلتقط لقطته» ورد مورد بيان الفضائل المختصَّة بمكَّة كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّى بين لقطة الحرم وبين [9] لقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن [10] الفائدة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦1834] و«الجزية» [خ¦3189] و«الجهاد» [خ¦4313]، ومسلمٌ وأبو داود في «الحجِّ» و«الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «السِّير»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
ج3ص152


[1] في (د): «العتبيُّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د) و(م): «أي».
[3] في (د) و(م): «بحرمة».
[4] في (ب) و(س): «ألسنتهم».
[5] في (د): «المظهر».
[6] «غير»: سقط من (م).
[7] في (د): «اللُّقطة: بالفتح».
[8] في (م): «وتمامةٍ»، وهو تصحيفٌ.
[9] «بين»: ليس في (ص) و(م).
[10] في (د): «من».