إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يا أمير المؤمنين إن رسول الله حدَّ لأهل نجد قرنًا

1531- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد [1] (عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة [2]، ابن سعيدٍ [3] الطُّوسيُّ، سكن بغداد (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم مُصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بتصغير «عبد» ابن عمر [4] بن حفص بن عاصم [5] بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ) عبد الله [6] (ابْن عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: لَمَّا [7] فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ) بضمِّ فاء «فُتِح» [8] مبنيًّا للمفعول و«هذان»: نائبٌ عن الفاعل، و«المصران» _البصرة والكوفة_: صفةٌ له، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فَتَحَ هذين المصرين))، بفتح الفاء مبنيًّا للفاعل، و«هذين المصرين» بالنَّصب على حذف الفاعل، أي: لمَّا [9] فتح الله، وكذا ثبت في رواية أبي نُعيمٍ في «مُستخرَجه»، وجزم به عياضٌ (أَتَوْا عُمَرَ) رضي الله عنه (فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ) بفتح الجيم وسكون الواو ثمَّ راءٌ، أي: مائلٌ (عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ) عمر: (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا) بفتح الحاء المهملة وسكون الذَّال المعجمة وفتح الواو، أي: ما يحاذيها (مِنْ طَرِيقِكُمْ) التي تسلكونها إلى مكَّة من غير ميلٍ فاجعلوها [10] ميقاتًا [11] (فَحَدَّ لَهُمْ) عمر رضي الله عنه (ذَاتَ عِرْقٍ) وهو الجبل الصَّغير، وقِيلَ: العِرق من الأرض: السَّبخة تُنبِت الطَّرفاء، وبينها وبين مكَّة اثنان وأربعون ميلًا باجتهاده، ويؤيِّده رواية الشَّافعيِّ من طريق أبي الشَّعثاء قال: لم يوقِّت [12] رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق شيئًا، فاتَّخذ بحيال قَرْنٍ ذاتَ عِرْقٍ. انتهى. نعم روى مسلمٌ في «صحيحه» عن أبي الزُّبير: أنَّه سمع جابر بن عبد الله يُسأَل عن المُهَلِّ، فقال: سمعت _أحسبه رَفَعَ الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم_... فذكر الحديث، وفيه: «ومُهَلُّ أهل العراق ذات عِرْقٍ» لكن قال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: إنَّه غير ثابتٍ لعدم جزمه برفعه، وأُجيب بأنَّ قوله: «أحسبه» معناه: أظنُّه، والظَّنُّ في باب الرِّواية يتنزَّل [13] منزلة اليقين، وليس ذلك قادحًا في رفعه، وأيضًا فلو لم يصرِّح برفعه لا يقينًا ولا ظنًّا فهو مُنزَّلٌ منزلة المرفوع [14] لأنَّ هذا لا يُقال من قِبَل الرَّأي، وإنَّما يُؤخَذ توقيفًا من الشَّارع، لا سيَّما وقد ضمَّه جابرٌ إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتِّفاقٍ، وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد، كلاهما عن أبي الزُّبير فلم يشكَّا في رفعه [15]، ووقع في حديث عائشة عند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ _كما قاله النَّوويُّ_: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل العراق ذات عرقٍ»، لكنَّ الإمام أحمد كان ينكر على أفلح بن حُمَيْدٍ هذا الحديث. نعم قال ابن عديٍّ: قد حدَّث عنه ثقات النَّاس، وهو عندي صالحٌ، وأحاديثه مستقيمةٌ كلُّها، وصحَّحه الذَّهبيُّ، وقال العراقيُّ: إنَّ إسناده جيِّدٌ، وروى أحمد والدَّارقطنيُّ من حديث الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «وقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم...» فذكر الحديث، وفيه: وقال: «لأهل العراق ذات عِرْقٍ»، فهذه الأحاديث وإن كان في كلٍّ منها ضعفٌ فمجموعها لا يقصر عن درجة الاحتجاج به، وأمَّا ما أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المشرق العقيق» فقد تفرَّد به يزيد بن أبي زيادٍ، وهو ضعيفٌ باتِّفاق المحدِّثين [16] وإن كان
ج3ص102
حَفِظَهُ فقد يُجمَع بينه وبين بقيَّة الأحاديث في التَّوقيت من ذات عرقٍ بأنَّ ذات عرقٍ ميقات الإيجاب، والعقيق ميقات الاستحباب، فالإحرام منه أفضل وأحوط لأنَّه أبعد من [17] ذات عرقٍ، فإن جاوزه وأحرم من ذات عرقٍ جاز، وبأنَّ ذات عرقٍ ميقاتٌ لبعض أهل العراق، والعقيق ميقاتٌ لبعضهم، ويؤيِّده حديث الطَّبرانيِّ في «الكبير» عن أنسٍ: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدائن العقيقَ، ولأهل البصرة ذاتَ عِرْقٍ...» الحديثَ، وفيه أبو ظلالٍ هلال بن يزيدَ [18]، وثقَّه ابن حبَّان [19] وضعَّفه الجمهور، والعقيق: وادٍ فوق ذات عرقٍ، بينه وبين مكَّة مرحلتان.
ج3ص103


[1] في (م): «حدَّثنا»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[2] «المهملة»: ليس في (د).
[3] في (د): «سعد»، وهو تحريفٌ.
[4] في (د): «عمير»، وهو تحريفٌ.
[5] «ابن عاصم»: ليس في (د).
[6] «عبد الله»: مثبتٌ من (م).
[7] «لمَّا»: سقط من (ص).
[8] في (د): «بضمٍّ ففتحٍ»، وليس بصحيحٍ.
[9] «لمَّا»: ليس في (د) و(م).
[10] في غير (د): «فاجعلوه».
[11] في (ص): «طريقًا».
[12] في غير (س): «يؤقِّت».
[13] في (د): «ينزل».
[14] في (د): «فهو بمنزلة المرفوع».
[15] «فلم يشكَّا في رفعه»: سقط من (د).
[16] في (ص): «الحفَّاظ».
[17] في (د): «عن».
[18] كذا في جميع النُّسخ، وفي المصادر: «زيد».
[19] عبارة (د): «وفي هذا الحديث أبو طالب بن يزيد وثَّقه ابن معينٍ وضعَّفه الجمهور»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.