إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون

1039- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت في نسخةٍ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللّه) قال الزَّجَّاج: فمن ادَّعى علم شيءٍ منها فقد كفر بالقرآن العظيم، و«المِفتاح» بكسر الميم وسكون الفاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((مَفَاتِحُ)) بوزن: مَسَاجِد، أي: خزائن الغيب؛ جمع مَفتحٍ؛ بفتح الميم؛ وهو: المخزن، ويؤيِّده تفسير السُّدِّي فيما رواه الطَّبريُّ قال: «مفاتح [1] الغيب»: خزائن الغيب، أو المرادُ ما يُتوصَّل به إلى المغيَّبات، مستعارٌ من المفاتِح [2] الَّذي هو جمعُ: مِفتحٍ؛ بالكسر؛ وهو: المفتاح، ويؤيِّده قراءة ابن السَّمَيْفَعِ [3] {{وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ}} [الأنعام: 59] والمعنى: إنَّه الموصل إلى المغيَّبات، المحيط [4] علمه بها، لا يعلمها إلَّا هو، فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم، فيُظهرُها على ما اقتضتْه حكمتُه، وتعلَّقت به مشيئته، والحاصل: أنَّ المفتاح يُطلَق على ما كان
ج2ص258
محسوسًا ممَّا يحلُّ غلقًا كالقفل، وعلى ما كان معنويًّا، وذكر خمسًا _وإن كان الغيب لا يتناهى_ لأنَّ العدد لا ينفي زائدًا عليه، أو لأنَّ هذه الخمس هي الَّتي كانوا يدَّعون علمها [5]: (لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ) غيره تعالى (مَا يَكُونُ فِي غَدٍ) شاملٌ لعلم وقت قيام السَّاعة وغيره، وفي رواية سالمٍ عن أبيه في «سورة الأنعام» [خ¦4627] قال: مفاتيح [6] الغيب خمسٌ {إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34]... إلى آخر [7] سورة لقمان (وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ) أَذَكَرٌ أم أنثى، شقيٌّ [8] أم سعيدٌ إلَّا حين أمره الملك بذلك (وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما تعزم على شيءٍ وتفعل خلافَه (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت، ورُوِيَ أنَّ ملك الموت مرَّ على سليمان بن داود عليهما الصَّلاة والسَّلام، فجعل ينظر إلى رجلٍ من جلسائه، فقال الرَّجل: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنَّه يريدني، فَمُرْ الرِّيح أن تحملني وتلقيني بالهند، ففعل، ثمَّ أتى ملكَ الموت سليمانُ، فسأله عن نظره ذلك، قال: كنت متعجِّبًا منه إذ أُمِرت أن أقبض روحه بالهند في آخر النَّهار وهو عندك (وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ) زاد الإسماعيليُّ: «إلَّا الله» أي: إلَّا عند أمر الله به، فإنَّه يعلم حينئذٍ، وهو يردُّ على القائل: إنَّ لنزول المطر وقتًا معيَّنًا لا يتخلَّف عنه، وعبَّر بالنَّفس في قوله: «وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت»، وفي قوله: «ولا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غدًا [9]» وفي الثَّلاثة الأخرى بلفظ «أحدٌ» لأنَّ النَّفس هي الكاسبة، وهي الَّتي تموت، قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدَّثَّر: 38] {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] فلو عبَّر: بـ «أحدٍ» لاحتمل أن يفهم منه: لا يعلم أحدٌ ماذا تكسب نفسه، أو بأيِّ أرضٍ تموت نفسه، فتفوت المبالغة المقصودة بنفي علم النَّفس أحوالها، فكيف غيرها؟ وعَدَل عن لفظ القرآن وهو: {تَدرِي} إلى لفظ: «تعلم» في (ماذا تكسب غدًا) لإرادة زيادة [10] المبالغة؛ إذ [11] نفي العامِّ مستلزمٌ نفيَ الخاصِّ من غير عكسٍ، فكأنَّه قال: لا تعلم أصلًا سواءٌ احتالت أم لا، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي_ إن شاء الله تعالى_ في «سورة الأنعام» [خ¦4627] والرَّعد [خ¦4697] و«لقمان» [خ¦4777].
ج2ص259


[1] في (د) و(ص): «مفاتيح».
[2] في (د): «المفاتيح».
[3] في هامش (ص): (قوله: السَّمَيفَعَ: بفتح السِّين المهملة والميم وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفاء وبالعين المهملة، وهو أبو عبد الله محمَّد بن عبد الرَّحمن بن السَّمَيفَعِ اليمانيُّ، له اختياراتٌ في القراءة، تُنسب إليه). شذور مِن خط عجمي.
[4] في (م): «بالمحيط».
[5] في (د): «الطَّبرانيُّ»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د): «مفتاح».
[7] زيد في (ب) و(س): «آية».
[8] في (ص): «أَشَقِيٌّ».
[9] «غدًا»: ليس في (ب).
[10] في (ص): «لإرادته».
[11] في (م): «أو»، وهو خطأٌ.