إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت}

(123) هذا (بابٌ) بالتَّنوين ({وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ}) واذكر زمان جعلنا له ({مَكَانَ الْبَيْتِ}) مباءةً: مرجعًا يرجع إليه للعمارة والعبادة، وذكر «مكان البيت» لأنَّ البيت ما [1] كان حينئذٍ ({أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا}) «أن» مفسِّرةٌ لـ «بوَّأنا» من حيث إنَّه تضمَّن معنى [2]: تعبَّدنا، أي: اِبْنِهِ على اسمي وحدي ({وَطَهِّرْ بَيْتِيَ}) من الشِّرك ({لِلطَّائِفِينَ}) حوله ({وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}) عبَّر عن الصَّلاة بأركانها، ولم يذكر الواو بين «الرُّكَّع» و«السُّجود»، وذكرها بين «القائمين» و«الرُّكَّع» [3] لكمال الاتِّصال بين الرُّكوع والسُّجود؛ إذ لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر في الصَّلاة فرضًا أو نفلًا، وينفكُّ القيام عن [4] الرُّكوع فلا يكون بينهما كمال الاتِّصال، أو المراد بـ «القائمين»: المعتكفون لمشاهدة الكعبة، وبـ «الرُّكع السُّجود»: المصلُّون ({وَأَذِّنْ}) نادِ ({فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}) بدعوته والأمر به، ورُوِي: أنَّه قام [5] على مقامه، أو على الحجر، أو على الصَّفا، أو على أبي قبيسٍ، وقال: إنَّ ربَّكم اتَّخذ بيتًا فحجُّوه، فأجابه كلُّ شيءٍ من شجرٍ وحجرٍ [6]، ومن كتب الله [7] له الحجَّ إلى يوم القيامة، وهم في أصلاب آبائهم: لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك ({يَأْتُوكَ رِجَالًا}) مشاةً، جمع: راجلٍ [8] ({وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}) أي: وركبانًا على كلِّ بعيرٍ مهزولٍ أتعبه [9] بُعْد السَّفر فهزله، حالٌ معطوفٌ على حالٍ ({يَأْتِينَ}) صفةٌ لـ «ضامرٍ»، وجمعه باعتبار معناه ({مِنْ كُلِّ فَجٍّ عميق}) طريقٍ بعيدٍ ({لِيَشْهَدُوا}) ليحضروا ({مَنَافِعَ لَهُمْ}) دينيَّةً ودنيويَّةً ({وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ}) عند إعداد [10] الهدايا والضَّحايا وذبحها ({فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}) عشر ذي الحجَّة، أو يوم النَّحر وثلاثةٍ بعده، ويعضد الثَّاني قوله: ({عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}) فإنَّ المراد: التَّسمية عند ذبح الهدايا والضَّحايا ({فَكُلُوا مِنْهَا}) من لحومها، والأمر للاستحباب أو للإباحة، فالجاهليَّة يحرِّمون أكلها، وعند الأكثرين لا يجوز الأكل من الدَّم الواجب ({وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ}) الذي أصابه بؤسٌ، أي: شدَّةٌ ({الْفَقِيرَ}) المحتاج ({ثُمَّ لْيَقْضُوا}) يزيلوا ({تَفَثَهُمْ}) وسخهم؛ بقصِّ الشَّوارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال، أو التَّفث: المناسك ({وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}) ما ينذرون بالبرِّ في حجِّهم ({وَلْيَطَّوَّفُوا}) طواف الرُّكن، أو طواف الوداع ({بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}) القديم لأنَّه أوَّل بيتٍ وُضِع للنَّاس، أو المُعتَق من تسلُّط الجبابرة، فكم من [11] جبَّارٍ سار إليه ليهدمه [12] فمنعه الله، وأمَّا الحَجَّاج فإنَّه قصد إخراج ابن الزُّبير منه دون التَّسلُّط عليه، وقِيل: لأنَّه تُعتَق فيه رقاب المذنبين من العذاب، لكن قال ابن عطيَّة: وهذا يردُّه التَّصريف. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: لا يردُّه لأنَّه فسَّره تفسير معنًى، وأمَّا من حيث الإعراب فلأنَّ «العتيق»: «فَعِيلٌ»؛ بمعنى «مُفْعِل» أي: معتق رقاب المذنبين، ونسبة الإعتاق إليه مجازٌ [13]؛ إذ بزيارته والطَّواف به يحصل الإعتاق، وينشأ عن كونه مُعْتِقًا أن يُقال: تُعتَق فيه [14] رقاب المذنبين.
({ذَلِكَ}) أي: الأمرُ ذلك ({وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ}) بترك ما نهى الله عنه [15]، أو بتعظيم بيته والشَّهر الحرام والبلد الحرام والإحرام ({فَهُوَ}) أي: التَّعظيم ({خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ}) ثوابًا، ورواية أبوي ذرٍّ والوقت: (({يَأْتُوكَ رِجَالًا} إلى قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ})) فحذفا ما ثبت عند غيرهما ممَّا ذُكِرَ من الآيات، وعزا في «فتح الباري» سياق الآيات كلِّها لرواية كريمة، قال: والمراد منها هنا قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ولذلك عطف عليها [16] في التَّرجمة: «وما يأكل من البدن وما يتصدَّق» أي: بيان المراد من الآية. انتهى. واعترضه صاحب «عمدة القاري» بأنَّ الذي في مُعظَم النُّسخ «بابٌ» بعد قوله تعالى: {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [البقرة: 184] وقبل قوله:
ج3ص228
«ما يأكل من البدن»، ثمَّ قال: وأين العطف في هذا وكلُّ واحدٍ من البابين ترجمةٌ مستقلَّةٌ؟ والظَّاهر أنَّ المؤلِّف لم يجد في التَّرجمة الأولى حديثًا يطابقها على شرطه. انتهى. وهذا عجيبٌ منه؛ فإنَّ قوله: «في معظم النُّسخ بابٌ» فيه إشعارٌ بحذفه في بعض النُّسخ ممَّا وقف هو عليه، ولا مانع أن يعتمده شيخ الصَّنعة الحافظ ابن حجرٍ لمِا ترجَّح عنده، بل صرَّح رحمه الله بأنَّه الصَّواب، وهو رواية الحافظ أبي ذرٍّ مع ثبوت واو العطف قبل قوله: ((وما يأكل من البدن)) ولغير أبي ذرٍّ كما في الفرع وغيره.
ج3ص229


[1] «ما»: سقط من (ص).
[2] «معنى»: ليس في (د).
[3] «وذكرها بين القائمين والرُّكَّع»: سقط من (د).
[4] في (د) و(م): «من».
[5] في (ص): «قال»، وهو تحريفٌ.
[6] في هامش (ص): (قوله: «من شجرٍ وحجرٍ»، وفي «سيرة شيخنا الحلبيِّ»: ومعلومٌ أنَّ إجابة غير العقلاء إجابة إجلالٍ وتعظيمٍ، ولعلَّ المراد بـ «كتب» مُطلَق الطَّلب، لا خصوص الوجوب؛ لأنَّه لم يُفرَض الحجُّ على هذه الأمَّة إلَّا بعد الهجرة في السَّنة السَّادسة أو التَّاسعة أو العاشرة، وأمَّا بقيَّة الأمم؛ فلم أقف على وجوب الحجِّ عليهم، وقد ذكر بعض المتأخِّرين من أصحابنا: أنَّه لم يجب الحجُّ إلَّا على هذه الأمَّة، واستُغرِب، وفي «الخصائص الصُّغرى» للجلال السُّيوطيِّ ما يفيد: أنَّه كان واجبًا على الأنبياء والرُّسل، وفيه: أنَّ الأصل أنَّ ما وجب في حقِّ نبيٍّ وجب في حقِّ أمَّته إلَّا أن يقوم الدَّليل الصَّحيح على خصوصيَّته). انتهى من خطِّ عجميٍّ، رحمه الله.
[7] «الله»: اسم الجلالة ليس في (د).
[8] في (ص): «رَجِلٌ»، وكلاهما صحيحٍ.
[9] في (ص): «اتَّبعه»، وهو تحريفٌ.
[10] في (م): «إهداد»، وهو تحريفٌ.
[11] «من»: ليس في (ص).
[12] في (د): «لهدمه».
[13] في (د): «ونسب الإعتاق إليه مجازًا».
[14] في (د): «فيه يعتق»، وزيد في (ص): «تُعتَق»، وهو تكرارٌ.
[15] «عنه»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[16] في (د): «عليه».