إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أنس: كان القنوت في المغرب والفجر

1004- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُليَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأربعة: ((أخبرنا)) (خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف؛ عبد الله بن زيدٍ، الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: ((عن أنس بن مالكٍ)) (قَالَ: كَانَ الْقُنُوتُ) أي: في زمنه صلى الله عليه وسلم (فِي) صلاة (الْمَغْرِبِ وَ) صلاة (الْفَجْرِ) وللأَصيليِّ: ((في الفجر والمغرب)) لكونهما طرفي النَّهار لزيادة شرف وقتهما [1] رجاء إجابة الدُّعاء، فكان تارةً يقنت فيهما، وتارةً في جميع الصَّلوات حرصًا على إجابة الدُّعاء، حتَّى نزل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] فترك إلَّا في الصُّبح، كما روى أنسٌ: أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت في الصُّبح حتَّى فارق الدُّنيا _كما مرَّ_ كذا قرَّره البرماويُّ كالكرمانيِّ.
وتُعقِّب بأنَّ قوله: إلَّا في الصُّبح يحتاج إلى دليلٍ، وإلَّا فهو نسخٌ فيهما، وقال الطَّحاويُّ: أجمعوا على نسخه في المغرب، فيكون في الصُّبح كذلك. انتهى. وقد عارضه بعضهم فقال: قد أجمعوا على أنه صلى الله عليه وسلم قنت في الصُّبح، ثمَّ اختلفوا؛ هل ترك؟ فيتمسَّك بما أجمعوا عليه حتَّى يثبت ما اختلفوا فيه، فإن قلت: ما وجه إيراد هذا الباب في أبواب الوتر ولم يكن في أحاديثه تصريحٌ به؟ أُجيبَ: بأنَّه ثبت أنَّ المغرب وتر النَّهار، فإذا ثبت فيها، ثبت في وتر اللَّيل بجامع ما بينهما من الوتريَّة [2]، وفي حديث الحسن بن عليٍّ عند أصحاب السُّنن قال: علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلماتٍ أقولهن في قنوت الوتر: «اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، فإنَّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنَّه لا يذلُّ من واليت، تباركت ربَّنا [3] وتعاليت...» الحديثَ، وصحَّحه التِّرمذيُّ وغيره، لكن ليس على شرط المؤلِّف، وروى البيهقيُّ عن ابن عبَّاس وغيره، أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلِّمهم هذه الكلماتِ ليقنتَ بها في الصُّبح والوتر، وقد صحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم قنت قبل الرُّكوع أيضًا، لكن رواة القنوت بعده [4]
ج2ص234
أكثر وأحفظ، فهو أولى، وعليه درج الخلفاء الرَّاشدون في أشهر الرِّوايات عنهم وأكثرها، فلو قنت شافعيٌّ قبل الرُّكوع لم يُجزِهِ لوقوعه في غير محلَّه، فيعيده بعده، ويسجد للسَّهو، قال في «الأمِّ»: لأنَّ القنوت عملٌ من أعمال [5] الصَّلاة، فإذا عمله في غير محلِّه أوجب سجود السَّهو، وصورته: أن يأتي به بنيَّة القنوت، وإلَّا فلا يسجد، قاله الخوارزميُّ، وخرج بالشَّافعيِّ غيرُه _ممَّن يرى القنوت قبله كالمالكيِّ_ فيجزيه عنده، وقال الكوفيُّون: لا قنوت إلَّا في الوتر قبل الرُّكوع. انتهى.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وشاميٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦798].
ج2ص235


[1] في (ب): «وقتيهما».
[2] في (د): «بجامع بينهما من الوتر به».
[3] لفظ «ربَّنا»: ليس في (د).
[4] في (م): «هذه».
[5] في (د) و(م): «عمل».