إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان الفضل رديف رسول الله

1513- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدَّ اليمين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ) اختُلِف على الزُّهريِّ في هذا الإسناد، فرواه ابن جريجٍ كما في «باب الحجِّ عمَّن لا يستطيع الثُّبوت على الرَّاحلة» [خ¦1853] عنه، عن سليمان بن يسارٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن الفضل بن عبَّاسٍ، وروى ابن ماجه من طريق محمَّد بن كُرَيبٍ عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ: أخبرني حُصَين بن عوفٍ عن الخثعميِّ قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ أبي، وسأل التِّرمذيُّ البخاريَّ عنه فقال: أصحُّ شيءٍ فيه ما روى ابن عبَّاسٍ عن الفضل قال: فيحتمل أن يكون ابن عبَّاسٍ سمعه من الفضل ومن غيره، ثمَّ رواه بغير [1] واسطةٍ. انتهى. قال في «الفتح»: وإنَّما رجَّح البخاريُّ الرِّواية عن الفضل لأنَّه كان رديف [2] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حينئذٍ، وكان ابن عبَّاسٍ قد تقدَّم من مزدلفة إلى منًى مع الضَّعفة، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ [خ¦1678] والفضل هو شقيق عبد الله، أمُّهما أمُّ الفضل لبابة الكبرى (رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) راكبًا خلفه على الدَّابَّة (فجاءت امرأةٌ من خَثْعم) بفتح الخاء المعجمة وسكون المُثلَّثة وفتح العين المهملة غير منصرفٍ، قال [3] البرماويُّ كالزَّركشيِّ: للعلميَّة ووزن الفعل؛ حيٌّ من بجيلة من قبائل اليمن، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: إن لم يُحمَل هذا على سبق قلمٍ من المُصنِّف أو الغلط من النَّاسخ، فهو عجيبٌ؛ إذ ليس فيه وزن الفعل المُعتبَر عندهم، ولو قِيلَ: بأنَّه على وزن: دحرج لَلِزِمَ منع صرف جعفرٍ، وهو باطلٌ بالإجماع. انتهى.
(فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ) وفي رواية شُعَيبٍ الآتية في «الاستئذان» [خ¦6228] _إن شاء الله تعالى_: «وكان الفضل رجلًا وضيئًا، أي: جميلًا، وأقبلت امرأةٌ من خَثْعَمَ وضيئةٌ وطَفِق الفضل ينظر إليها وأعجبه حُسْنُها» (وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ) بكسر الشِّين وفتح الخاءَ (فَقَالَتْ) أي: المرأة: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) حال كونه (شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) صفةٌ لـ «شيخًا»، أو حالٌ متداخلةٌ للتي قبلها، أي: وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو شيخٌ كبيرٌ، أو حصل له المال في هذه الحالة، والأوَّل أوجه كما قاله الطِّيبيُّ، واختلفت طرق الأحاديث في السَّائل عن ذلك، هل هو امرأةٌ أو رجلٌ؟ وفي المسؤول عنه أيضًا أن يُحجَّ عنه، هل هو أبٌ أو أمٌّ أو أخٌ؟ فأكثر طرق الأحاديث الصَّحيحة دالَّةٌ على أنَّ السَّائل امرأةٌ سألت عن
ج3ص93
أبيها كما هو في أكثر طرق حديث الفضل وحديث عبد الله أخيه وحديث عليٍّ، وفي النَّسائيِّ من حديث الفضل أنَّ السَّائل رجلٌ سأل [4] عن أمِّه [5]، وفي «صحيح ابن حبَّان» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ السَّائل رجلٌ يسأل [6] عن أبيه، وعند النَّسائيِّ أيضًا: أنَّ امرأةً سألته [7] عن أبيها، وفي حديث بريدة عند التِّرمذيِّ: أنَّ امرأةً سألته عن أمِّها، وفي حديث حُصَين بن عوفٍ عند ابن ماجه: أنَّ السَّائل رجلٌ سأل عن أبيه، وفي حديث سنان بن عبد الله: أنَّ عمَّته قالت: «يا رسول الله؛ تُوفِّيت أمِّي» وهذا محمولٌ على التَّعدُّد (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ) أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحجَّ عنه، فالفاء بعد همزة الاستفهام عاطفةٌ على مُقدَّرٍ لأنَّ الاستفهام له الصَّدر (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (نَعَمْ) حُجِّي عنه (وَذَلِكَ) أي: ما ذكر وقع (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وفيه: جواز الحجِّ عن الغير، وتمسَّك الحنفيَّة بعمومه على صحَّة حجِّ من لم يحجَّ نيابةً عن غيره، وخالف الجمهور فخصُّوه بمن حجَّ عن نفسه لحديث «السُّنن» و«صحيح ابن خزيمة» عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يلبِّي عن شُبْرُمَةَ، فقال: «أفحججت [8] عن نفسك؟» فقال [9]: لا، قال [10]: «هذه عن نفسك، ثمَّ احجج عن شبرمة» ومنع مالكٌ الحجَّ عن المعضوب [11] مع أنَّه راوي الحديث، وقال الشَّافعيُّ: لا يستنيب الصَّحيح لا في فرضٍ ولا في نفلٍ، وجوَّزه أبو حنيفة وأحمد في النَّفل.
وأمَّا المطابقة بين الحديث والتَّرجمة فقالوا: تُدرَك بدقَّة النَّظر من [12] دلالة الحديث على تأكيد الأمر بالحجِّ، حتَّى إنَّ المُكلَّف لا يُعذَر بتركه عند عجزه عن المباشرة بنفسه، بل يلزم أن يستنيب غيره، وهو يدلُّ على أنَّ في مباشرته فضلًا عظيمًا، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ [13] إفراد فضل الحجِّ ببابٍ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦4399] و«الاستئذان» [خ¦6228]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج3ص94


[1] في (د): «من غير».
[2] في (د) و(س): «ردف».
[3] في (د): «قاله»، ونقل الأزهري في «تهذيب اللغة» كلام البرماوي عن أهل الحجاز.
[4] في (د): «يسأل».
[5] في (م): «أبيه».
[6] «يسأل»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[7] في (د): «سألت»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[8] في (د): «أحججتَ».
[9] في غير (ص) و(م): «قال».
[10] في (ص): «فقال».
[11] في غير (د) و(س): «المغصوب»، وهو تصحيفٌ.
[12] في غير (ب) و(س): «فمن».
[13] زيد في (د): «في».