إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة

1556- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لخمسٍ بقين من ذي القعدة [1] (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) سُمِّيت بذلك لأنَّه صلى الله عليه وسلم ودَّع الناس فيها (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أدخلناها على الحجِّ بعد أن أهللنا به في الابتداء كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لمن معه بعد إحرامهم بالحجِّ، ودنوِّهم من مكَّة بسَرِف كما في رواية عائشة، أو بعد طوافهم بالبيت كما في رواية جابرٍ، أو قاله مرَّتين في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْي) بإسكان الدَّال وتخفيف الياء وبكسر الدَّال وتشديد الياء، والأولى أفصح وأشهر: اسمٌ لِما يُهدَى إلى الحرم من الأنعام، وسَوْق الهدي سنَّةٌ لمن أراد الإحرام بحجٍّ أو عمرةٍ (فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ) وفي «اليونينيَّة»: بالنَّصب مُصْلَحٌ [2] (حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وفيه دلالةٌ على أنَّ السَّبب في بقاء من ساق الهدي على إحرامه حتَّى يحلَّ من الحجِّ؛ كونه أدخل الحجَّ على العمرة لا مُجرَّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد وموافقوهما [3] من أنَّ المعتمر المتمتِّع إذا كان معه هديٌ لا يتحلَّل من عمرته حتَّى ينحر هديه يوم النَّحر، وقد تمسَّكوا بقوله في رواية عقيلٍ عن الزُّهريِّ في «الصَّحيحين»: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحرم بعمرةٍ ولم يُهْدِ فَلْيُحْلِل، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فلا يُحِلَّ حتَّى ينحر
ج3ص119
هديه، ومن أهلَّ بحجٍّ فليتمَّ حجَّه» [خ¦319] وهي ظاهرةٌ في الدَّلالة لمذهبهم، لكن تأوَّلها الشَّافعيَّة على أنَّ معناها: ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فليهلل بالحجِّ، ولا يحلُّ حتَّى ينحر هديه، واستدلُّوا لصحَّة هذا التَّأويل بهذه الرِّواية لأنَّ القصَّة واحدةٌ والرَّاوي واحدٌ، فتعيَّن الجمع بين الرِّوايتين.
قالت عائشة: (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِض) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، وكان ابتداء حيضها بسرفٍ يوم السَّبت لثلاث ليالٍ [4] خلون من ذي الحجَّة (وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) عطفٌ على المنفيِّ قبله، على تقدير: ولم أسعَ، وهو من باب: [من الرَّجز]
~علفتها تبنًا وماءً باردًا . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويجوز أن يقدِّر: ولم أَطُفْ بين الصَّفا والمروة، على طريق المجاز لِمَا في الحديث: «وطاف بالصَّفا والمروة سبعة أطوافٍ» [خ¦1691] وإنَّما ذهب إلى التَّقدير دون الانسحاب لئلَّا يلزم استعمال اللَّفظ الواحد [5] حقيقةً ومجازًا في حالةٍ واحدةٍ، قاله في «شرح المشكاة» (فَشَكَوْتُ ذَلِكَ) أي: ترك الطَّواف بالبيت، وبين الصَّفا والمروة بسبب الحيض (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ) بالقاف المضمومة والضَّاد المعجمة المكسورة من النَّقض، أي: حلِّي ضفر شعر رأسك (وَامْتَشِطِي) أي: سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ) أي: عملها؛ من الطَّواف والسَّعي وتقصير الشَّعر، لا أنَّها تدع العمرة نفسها، وحينئذٍ فتكون قارنةً؛ كذا تأوَّله الشَّافعيُّ، والحاصل: أنَّها أحرمت بالحجِّ ثمَّ فسخته إلى العمرة حين أمر النَّاس بذلك، فلمَّا حاضت وتعذَّر عليها إتمام العمرة والتَّحلُّل منها وإدراك الإحرام بالحجِّ أمرها صلى الله عليه وسلم بالإحرام بالحجِّ، فأحرمت به فصارت مُدخِلةً للحجِّ على العمرة وقارنةً، لكن استشكل الخطَّابيُّ قوله لها: «انقضي رأسك وامتشطي» لأنَّه ظاهرٌ في إبطال العمرة لأنَّ المُحرِم لا يفعل مثل ذلك [6]؛ لأنَّه يؤدِّي إلى انتتاف الشَّعر، وأُجيب بأنَّه لا يلزم من ذلك إبطال العمرة، فإنَّ نقض الرَّأس [7] والامتشاط جائزان في الإحرام إذا لم يؤدِّ إلى انتتاف الشَّعر، لكن يُكرَه الامتشاط لغير عذرٍ، أو أنَّ ذلك كان بسبب أذًى كان برأسها، فأُبيح لها كما أُبيح لكعب بن عجرة في حلق رأسه للأذى، أو المراد بالامتشاط: تسريح الشَّعر بالأصابع لغسل [8] الإحرام بالحجِّ، ولا سيَّما إن كانت مُلبِّدةً فتحتاج إلى نقض الضَّفر ثمَّ تضفره كما كان ويلزم منه نقضه، ويشهد لِما أوَّله الشَّافعيُّ _رحمة الله عليه_ قولُه عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: «قد حللت من حجَّتك وعمرتك جميعًا» وقوله في الحديث الآخر: «طوافك وسعيك كافيك لحجِّك وعمرتك» فهو صريحٌ [9] في أنَّها كانت قارنة لكن عند المؤلِّف في «باب التَّمتُّع والإقران» [10] من طريق الأسود عنها: أنَّها قالت: «يا رسول الله يرجع النَّاس بعمرةٍ وحجٍّ، وأرجع أنا بحجَّةٍ» [خ¦1561] وزاد في رواية عطاء عنها عند أحمد: «ليس معها عمرةٌ» وهذا يقوِّي قول الحنفيَّة: إنَّها تركت العمرة وحجَّت مفردةً متمسِّكين بقوله لها: «دعي عمرتك»، واستدلَّوا به على أنَّ المرأة إذا أهلَّت بالعمرة متمتِّعةً فحاضت قبل أن تطوف تترك العمرة وتهلُّ بالحجِّ مُفرِدةً [11]؛ كما صنعت عائشة رضي الله عنها، لكن قال في «الفتح»: إنَّ [12] في رواية عطاءٍ عنها ضعفًا، والرَّافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ: أنَّ عائشة أهلَّت بعمرةٍ حتَّى إذا كانت بسرف حاضت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهلِّي بالحجِّ» حتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة وسَعَتْ، فقال: «قد حللت من حجِّك وعمرتك» فقالت [13]: يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي أنِّي لم أَطُفْ بالبيت حتَّى حججت، قال: «فأَعْمِرْها من التَّنعيم»، قالت عائشة رضي الله عنها: (فَفَعَلْتُ) بسكون اللَّام، ما ذَكَرَ من النَّقض والامتشاط والإهلال بالحجِّ، وترك عمل العمرة، وهذا موضع التَّرجمة.
(فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ) أي: وطهرتُ يوم النَّحر (أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ) أخي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (إِلَى التَّنْعِيمِ) المشهور بمسجد عائشة (فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (هَذِهِ) العمرة (مَكَان عُمْرَتِكِ) برفع «مكانُ» خبرًا لقوله: «هذه»، أو بالنَّصب _وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير [14]_ على الظَّرفيَّة، وعامله المحذوف هو الخبر، أي: كائنةٌ أو مجعولةٌ مكان عمرتك، قال القاضي عياضٌ: والرَّفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظَّرف، إنَّما أراد عوض عمرتك، فمن قال: كانت قارنةً قال: مكان عمرتك التي أردت
ج3ص120
أن تأتي بها مفردةً، وحينئذٍ فتكون عمرتها من التَّنعيم تطوُّعًا لا عن فرضٍ، لكنَّه أراد تطييب نفسها بذلك، ومن قال: كانت مفردةً قال: مكان عمرتك التي فسخت الحجَّ إليها، ولم تتمكَّني من الإتيان بها للحيض. وقال السُّهيليُّ: الوجه النَّصب على الظَّرف لأنَّ العمرة ليست بمكانٍ لعمرةٍ أخرى، لكن إن جعلتَ «مكان» بمعنى «عوض» أو «بدل» مجازًا _أي: هذه بدل عمرتك_ جاز الرَّفع حينئذٍ.
(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ و) سعوا أو [15] طافوا (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) لأجل العمرة (ثُمَّ حَلُّوا) منها بالحلق أو التَّقصير (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) للحجِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((طوافًا آخر)) (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) لأنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ لأنَّ أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجِّ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد والجمهور، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: لا بدَّ للقارن من طوافين وسعيين لأنَّ القِران هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقَّق إلَّا بالإتيان بأفعالِ كلٍّ منهما، والطَّواف والسَّعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخُلَ في العبادات، وهو محكيٌّ عن أبي بكرٍ وعمر وعليِّ بن أبي طالبٍ وابن مسعودٍ والحسن بن عليٍّ، ولا يصحُّ عن واحدٍ منهم [16]، واستدلَّ بعضهم له بحديث ابن عمر عند الدَّارقطنيِّ بلفظ: «إنَّه جمع بين حجَّةٍ وعمرةٍ معًا، وطاف لهما طوافين وسعىَ لهما سعيين» وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع، وبحديث عليٍّ عند الدَّارقطنيِّ أيضًا [17]، وبحديث ابن مسعودٍ وحديث عمران بن حصينٍ عنده أيضًا، وكلُّها مطعونٌ فيها لِمَا في رواتها من الضَّعف المانع للاحتجاج بها، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [18] في «الحجِّ» [خ¦1783] و«المغازي» [خ¦4395]، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه، والله أعلم.
ج3ص121


[1] «لخمسٍ بقين من ذي القعدة»: وقع في (د) و(م) بعد قوله: «خرجنا» السَّابق.
[2] «وفي «اليونينيَّة»: بالنَّصب مُصْلَحٌ»: ليس في (م).
[3] في (د): «وموافقهما».
[4] «ليالٍ»: ليس في (د) و(س).
[5] في (م): «على الواحدة».
[6] في (د): «هذا».
[7] في (د): «الشَّعر».
[8] في (د): «لأجل».
[9] في (م): «صحيحٌ»، وهو تحريفٌ.
[10] في غير (ص): «القِران».
[11] في (د): «مفردًا».
[12] «إنَّ»: ليس في (د).
[13] في غير (د): «قالت»، والمثبت موافق لما في «صحيح مسلم».
[14] «وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير»: ليس في (م).
[15] في (د) و(م): «وطافوا».
[16] «منهم»: ليس في (ص).
[17] «أيضًا»: ليس في (د).
[18] «أيضًا»: ليس في (د).