إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف

1660- وبالسَّند [1] قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر (قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ) بن مروان الأمويُّ (إِلَى الْحَجَّاجِ) بن يوسف الثَّقفيِّ حين أرسله إلى قتال ابن الزُّبير، وجعله واليًا على مكَّة وأميرًا على الحُجَّاج [2] (أَلَّا يُخَالِفَ [3] ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (فِي) أحكام (الْحَجِّ) قال سالمٌ: (فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما وَأَنَا مَعَهُ) أي: مع ابن عمر، والواو للحال (يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ) بضمِّ السِّين، قال البرماويُّ و [4] الحافظ ابن حجرٍ وغيرهما _كالكرمانيِّ_: الخيمة، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إنَّما هو الذي يحيط بالخيمة، وله بابٌ يُدخَل منه إلى الخيمة، قال [5]: ولا يعمله غالبًا إلَّا الملوك الأكابر [6]. انتهى.
وفي «القاموس»: أنَّه الذي يُمَدُّ فوق صحن البيت، والبيت من الكُرْسُف، زاد الإسماعيليُّ من هذا الوجه: «أين هذا؟» يعني: الحجَّاج (فَخَرَجَ) من سُرادقه (وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ) مصبوغةٌ بالعصفر، والمِلحفة: بكسر الميم؛ الإزار الكبير (فَقَالَ) أي: الحجَّاج: (مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) كنية ابن عمر (فَقَالَ) له ابن عمر: عجِّل أو رُحْ (الرَّوَاحَ) فالنَّصب [7] بفعلٍ مُقدَّرٍ، قال العينيُّ: والأصوب نصبه على الإغراء (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ) أن [8] تصيب (السُّنَّةَ) النَّبويَّة (قَالَ) الحجَّاج: (هَذِهِ السَّاعَةَ) وقت الهاجرة؟ (قَالَ) ابن عمر: (نَعَمْ، قَالَ) الحجَّاج: (فَأَنْظِرْنِي) بهمزة قطع ومعجمةٍ مكسورةٍ مِنَ الإنظار؛ وهو المهلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فانظرني))
ج3ص197
بهمزة وصلٍ وظاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ، أي: انتظرني (حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي) أي: أغتسل لأنَّ إفاضة الماء على الرَّأس غالبًا إنَّما تكون في الغُسْل (ثُمَّ أَخْرُجَ) بالنَّصب عطفًا على «أُفيضَ» (فَنَزَلَ) ابن عمر عن مركوبه وانتظر (حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ) قال سالمٌ: (فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي) عبد الله بن عمر (فَقُلْتُ) للحجَّاج: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) النَّبويَّة (فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ) كذا في «اليونينيَّة»: بوصل الهمزة وضمِّ الصَّاد (وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ) كذا في رواية عبد الله بن يوسف عن مالكٍ، ووافقه القعنبيُّ في «المُوطَّأ»، وأشهب عند النَّسائيِّ، وخالفهم [9] يحيى وابن القاسم وابن وهبٍ ومطرِّفٌ عن مالكٍ، فقالوا: «وعجِّل الصَّلاة» وقد غلَّط أبو عمر ابن عبد البرِّ الرِّواية الأولى لأنَّ أكثر الرُّواة عن مالكٍ على خلافها، ووُجِّهت: بأنَّ تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصَّلاة (فَجَعَلَ) الحجَّاج (يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللهِ) بن عمر، كأنَّه يستدعي معرفة ما عنده فيما قاله ابنه سالمٌ، هل هو كذا [10] أم لا؟ (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَدَقَ).
وفي هذا الحديث: فوائدُ جمَّةٌ تظهر عند التَّأمُّل لا نطيل بها، وموضع التَّرجمة منه قوله: «هذه السَّاعة» لأنَّه أشار به إلى وقت زوال الشَّمس عند الهاجرة، وهو وقت الرَّواح إلى الموقف لحديث ابن عمر عند أبي داود قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلَّى الصُّبح في صبيحة يوم عرفة حتَّى أتى عرفة، فنزل نَمِرة، وهو منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتَّى إذا كان عند صلاة الظُّهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجِّرًا، فجمع بين الظُّهر والعصر، ثمَّ خطب النَّاس، ثمَّ راح فوقف.
وحديث الباب قد أخرجه النَّسائيُّ في «الحجِّ».
ج3ص198


[1] في (د): «وبه».
[2] في غير (ص) و(م): «الحاجِّ».
[3] في (ب) و(س): «تخالف».
[4] زيد في (ص): «قال».
[5] «قال»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[6] في (د): «والأكابر».
[7] في (د): «بالنَّصب».
[8] في (د): «أي».
[9] في (د): «وخالفه».
[10] في (د): «كذلك».