إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إني لبدت رأسي وقلدت هديي

1697- وبالسَّند [1] قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) الأسديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بتصغير «عبد» ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب العمريِّ المدنيِّ، أخي عبد الله بن عمر (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ) أمِّ المؤمنين (حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم) أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) زاد في «باب التَّمتُّع والإقران [2]» [خ¦1566]: «بعمرةٍ» وسبق ما فيها من البحث هناك (وَلَمْ تَحْلِلْ؟) بكسر اللَّام الأولى بفكِّ الإدغام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((ولم تحلَّ أنت)) بإدغام اللَّام في اللَّام، أي: من عمرتك (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنِّي لَبَّدْتُ) شعر (رَأْسِي)
ج3ص218
بتشديد المُوحَّدَة من التَّلبيد؛ وهو جعل شيءٍ نحو الصَّمغ في الشَّعر ليجتمع ويلتصق بعضه ببعضٍ احترازًا عن تمعُّطه وتقمُّله، لكنَّ تلبيد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان بالعسل [3] كما في رواية أبي داود، وكان عند إهلاله _كما في «الصَّحيحين» [خ¦1540]_ (وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((ولا)) (أَحِلُّ) من إحرامي، أي: لا يحلُّ شيءٌ مما حرم [4] عليَّ (حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ) وليس العلَّة في ذلك سوق الهدي وتقليده، بل إدخال الحجِّ على العمرة، خلافًا للحنفيَّة حيث جعلوا العلَّة في بقائه على إحرامه الهدي كما سبق تقريره.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة: أنَّ الهدي يتناول البقر والبُدن جميعًا _كما سبق_ وهمزة «أَحلَّ» مفتوحةٌ في الموضعين، من الثُّلاثيِّ، ويجوز الضَّمُّ من الرُّباعيِّ، لغتان لقوله [5]: تحلُّ، والفتح أوفق لقولها: «حلُّوا»، وقال: «لبَّدت رأسي وقلَّدت هديي» وإن كان أجنبيًّا من الحلِّ وعدمه لبيان أنَّه من أوَّل الأمر مستعدٌّ لدوام إحرامه حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، والتَّلبيد مشعرٌ بمدَّةٍ طويلةٍ، أو ذكر ذلك لبيان الواقع، أو للتَّأكيد، وفيه: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا [6]، ولم يقع في الحديث ذكر فتل القلائد المذكور في التَّرجمة، فقيل: لأنَّ التَّقليد لا بدَّ له من الفتل، ورُدَّ بأنَّ القلادة أعمُّ من أن تكون من شيءٍ يُفتَل أو من شيءٍ لا يُفتَل، فلا تلازُم.
ج3ص219


[1] في (د): «وبه».
[2] في غير (د) و(م): «والقران».
[3] في هامش (ص): (قوله: «بالعسل» قال في «مرقاة الصُّعود»: قال ابن الصَّلاح: يحتمل أنَّه بفتح المهملتين، ويحتمل أنَّه بكسر المعجمة، وسكون المهملة؛ وهو ما يُغسَل به الرَّأس من خطميٍّ أو غيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ضبطناه في «رقايتنا» من «سنن أبي داود»: بالمهملتين. انتهى. وفي «القاموس»: والعَسَل _أي: بحركةٍ_: صمغ العُرْفُط»، وهو بالضَّمِّ: شجرٌ من العِضَاه، والعِضاه؛ بالكسر: أعظم الشَّجر، أو الخَمْط، أو كلُّ ذات شوكٍ، أو ما عَظُم منها وطال). انتهى عجمي.
[4] في (ص): «لا يحلُّ منِّي ما حرم».
[5] في غير (د): «كقوله».
[6] قوله: «وهمزة أَحلَّ مفتوحةٌ في الموضعين... أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان قارنًا» ليس في (م).