إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله خطب الناس يوم النحر

1739- وبالسَّند [1] قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة، و«غزوان»: بفتح الغين المعجمة وسكون الزَّاي وبالنُّون في آخره، قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ) فيه: أنَّ السُّنَّة أن يخطب الإمام يوم النَّحر خطبةً فردةً يعلِّم الناس بها المبيت والرَّمي في أيَّام التَّشريق والنَّفر وغير ذلك، ممَّا يحتاجون إليه ممَّا بين أيديهم وما مضى لهم في يومهم ليأتي به من لم يفعله، أو يعيده من فعله على غير وجهه، وهذه الخطبة هي الثَّالثة من خطب الحجِّ الأربعة، وكلُّها بعد الصَّلاة إلَّا عرفة فَقَبْلَها، وهي خطبتان بخلاف الثَّلاثة الباقية ففُرادى، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد، وما ذكر من كون خطبة يوم النَّحر بعد صلاة الظُّهر، قال في «المجموع»: كذا قاله الشَّافعيُّ والأصحاب، واتَّفقوا عليه، وهو مشكلٌ لأنَّ المعتمد فيها الأحاديث، وهي مصرِّحةٌ بأنَّها كانت ضحوة يوم النَّحر كما سيأتي [2] إن شاء الله تعالى [3]. وقال المالكيَّة والحنفيَّة: خطب الحجِّ ثلاثةٌ:
ج3ص239
سابع ذي الحجَّة ويوم عرفة بها وثاني يوم النَّحر بمنًى [4]، ووافقهم الشَّافعيُّ إلَّا أنَّه قال بدل ثاني يوم النَّحر: ثالثه لأنَّه أوَّل النَّفر [5]، وزاد الرَّابعة يوم النَّحر، قال: وبالنَّاس حاجةٌ إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرَّمي والذَّبح والحلق والطَّواف، واعترضه الطَّحاويُّ بأنَّ الخطبة المذكورة ليست من متعلَّقات الحجِّ لأنَّه لم يذكر فيها شيئًا من أمور الحجِّ، وإنَّما ذكر فيها وصايا عامَّةً لا على أنَّها [6] خطبةٌ وشعيرةٌ من شعائر الحجِّ، ولم ينقل أحدٌ أنَّه علَّمهم فيها شيئًا ممَّا يتعلَّق بيوم النَّحر، فعرفنا أنَّها لم تُقصَد لأجل الحجِّ، وأُجيب بأنَّ البخاريَّ أراد أن يبيِّن أنَّ الرَّاوي قد سمَّاها خطبةً كما سمَّى التي وقعت في عرفاتٍ خطبةً، وقد اتَّفقوا على خطبة يوم عرفة، فألحق المُختَلَف فيه بالمُتَّفَق عليه، قاله ابن المُنيِّر في «الحاشية»، وقد جزم الصَّحابة ابن عبَّاسٍ وأبو بكرٍ وأبو أمامة عند أبي داود بتسميتها خطبةً، فلا يُلتفَت لتأويل غيرهم، وقد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السَّابق [خ¦1737] وغيره: أنَّه شهد النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النَّحر، وفي حديث عبد الرَّحمن ابن معاذٍ عند أبي داود والنَّسائيِّ قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنًى، ففتحنا [7] أسماعنا حتَّى كنَّا نسمع ما يقول، ونحن في منازلنا، فطفق يعلِّمهم مناسكهم حتَّى بلغ الجمار، فوضع إصبعيه، ثمَّ [8] قال: بحصى الخَذْف، ثمَّ أمر المهاجرين، فنزلوا في مُقدَّم المسجد، وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد، ثمَّ نزل النَّاس بعد (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام في خطبته المذكورة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خطابًا [9] للحاضرين معه حينئذٍ (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) استفهامٌ تقريريٌّ (قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: بلدٌ حرامٌ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ) وليس الحرام عين اليوم والبلد والشَّهر، وإنَّما المراد ما يقع فيه من القتال، وقال البيضاويُّ: يريد بذلك تذكارهم حرمة ما ذكر، وتقريرها في نفوسهم ليُبنَى عليها ما أراد تقريره حيث (قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ) جمع عِرضٍ _بكسر العين_: وهو ما يُمدَح به الإنسان ويُذَمُّ، وقِيل: الحسب، أو الأخلاق النَّفسانيَّة، قال في «شرح المشكاة»: والتَّحقيق ما ذكره صاحب «النِّهاية»: العِرض: موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه أو في سَلَفِه. ولمَّا كان موضع العِرض النَّفس قال من قال: العِرض: النَّفس؛ إطلاقًا للمحلِّ على الحالِّ، وحيث كان نسبَةُ الشَّخص إلى المدح نسبةً [10] إلى الأخلاق الحميدة، والذَّمِّ؛ نسبه [11] إلى الذَّميمة، سواءٌ كانت فيه أم [12] لا؛ قال من قال: العِرض: الخُلُق؛ إطلاقًا لاسم اللَّازم على الملزوم (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) أي: أنَّ [13] انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، وهذا أَولى من قول من قال: فإنَّ سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب [14] أعراضكم لأنَّ ذلك إنَّما يحرم إذا كان بغير حقِّ؛ فلا بدَّ من التَّصريح به، فلفظ: انتهاك [15] أَولى لأنَّ موضوعها لتناول الشَّيء بغير حقٍّ [16] كما مرَّ في «باب العلم» [خ¦67] (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة، وإنَّما شبَّهها في الحرمة بهذه الأشياء لأنَّهم كانوا لا يرون استباحتها وانتهاك حرمتها بحالٍ، وقال ابن المُنيِّر: قد استقرَّ في القواعد أنَّ الأحكام لا تتعلَّق إِلَّا بأفعال المكلَّفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشَّهر: تحريم أفعال الاعتداء فيها على النَّفس والمال والعِرض، فما معنى إذًا تشبيه الشَّيء بنفسه؟ وأجاب بأنَّ المراد أنَّ هذه الأفعال في غير هذا البلد وهذا الشَّهر وهذا اليوم مُغلَّظةُ الحرمة، عظيمةٌ عند الله، فلا يستسهل المعتدي كونه تعدَّى في غير البلد الحرام، والشَّهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوف من فعل ذلك في البلد الحرام وإن كان فعل العدوان في البلد الحرام أغلظ، فلا ينفي كون ذلك في غيره غليظًا أيضًا، وتفاوت ما بينهما في الغلظ لا ينفع المتعدِّي في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدَّى في البلد الحرام فلا يستسهل حرمة البلد، بل ينبغي أن يعتقد أنَّ فعله أقبح الأفعال، وأنَّ عقوبته بحسب ذلك، فيراعي الحالتين.
(فَأَعَادَهَا) أي: المذكورات (مِرَارًا) وأقلُّه: ثلاث مرَّاتٍ، وهي عادته عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) زاد الإسماعيليُّ من هذا الوجه: إلى السَّماء (فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ؛ هَلْ بَلَّغْتُ؟) مرَّتين، أي: بلَّغت ما أمرتني به، وإنَّما قال ذلك لأنَّه عليه الصلاة والسلام كان التَّبليغ فرضًا عليه.
ج3ص240
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ) بفتح لام: «لَوصيَّته» وهي للتَّأكيد، والضَّمير فيه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي: «إنَّها» لقوله: (فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ) الحاضر [17] ذلك المجلس (الْغَائِبَ) عنه، والضَّمير وإن كان مُقدَّمًا في الذِّكر فالقرينة تدلُّ على أنَّه مُؤخَّرٌ في المعنى، وقول ابن عبَّاسٍ معترضٌ بين قوله صلى الله عليه وسلم: «هَلْ بَلَّغْتُ؟» وبين قوله: «فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغائب» (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي) بعد فراقي من موقفي هذا، أو: بعد حياتي، وفيه استعمال «رجع» كـ «صار» معنًى وعملًا، قال ابن مالكٍ: وهو ممَّا خفي على أكثر النَّحويِّين، أي: لا تصيروا بعدي (كُفَّارًا) أي: كالكفَّار، أو: لا يكفِّر بعضكم بعضًا فتستحلُّوا القتال، أو: لا تكن أفعالكم شبيهةً بأفعال [18] الكفَّار (يَضْرِب بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضربُ» جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لقوله: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا» ويجوز الجزم، قال أبو البقاء: على تقدير شرطٍ مُضمَرٍ، أي: إنْ ترجعوا بعدي.
ورواة هذا الحديث ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ وكوفيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦7089]، وكذا التِّرمذيُّ.
ج3ص241


[1] في (د): «وبه».
[2] قوله: «وما ذكر من كون خطبة يوم النَّحر... ضحوة يوم النَّحر كما سيأتي» ليس في (م).
[3] «إن شاء الله تعالى»: مثبتٌ من (س) و(ص).
[4] «بمنًى»: ليس في (د).
[5] في (م): «النَّحر»، وهو تحريفٌ.
[6] في (ص) و(م): «أنَّه».
[7] في (ب) و(د): «ففُتِحت».
[8] في (د): «وقال».
[9] في (د): «خطابٌ».
[10] «إلى المدح نسبة»: مثبتٌ من (د).
[11] في (ب) و(س): «نسبتَه».
[12] في غير (ب) و(س): «أو».
[13] «أنَّ»: ليس في (د).
[14] في (د): «وسلب».
[15] «فلا بدَّ من التَّصريح به، فلفظ: انتهاك»: ليس في (م).
[16] قوله: «لأنَّ ذلك إنَّما يحرم إذا كان بغير حقِّ... موضوعها لتناول الشَّيء بغير حقٍّ» ليس في (ص).
[17] في (س): «الحاصر»، وهو تصحيفٌ.
[18] في (د): «تشبه أفعال».