إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.

1622- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ واسم أبيه عبد الله ونسبه لجدِّه لشهرته به (قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعَثَهُ) أي: أبا هريرة سنة تسعٍ من الهجرة ليحجَّ [1] بالنَّاس [2] (فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم، أي: جعله (عَلَيْهِا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أميرًا، ولغير أبي ذرٍّ: ((أمَّره عليه)) بالتَّذكير، أي: على أبي هريرة (قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ) بمنًى: ظرفٌ لقوله «بعثه» (فِي) جملة (رَهْطٍ) وهو ما دون العشرة من الرِّجال، وقِيل: إلى الأربعين ولا تكون [3] فيهم امرأةٌ (يُؤَذِّنُ) أي: يُعلِم الرَّهط، أو: أبو هريرة على الالتفات (فِي النَّاسِ) حين نزل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}...الآيةَ [التَّوبة: 28] والمراد به: الحرم كلُّه.
(أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام للتَّنبيه (لا يَحُجُّ) بالرَّفع، و«لا» نافيةٌ (بَعْدَ) هذا (الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) بالرَّفع فاعل «يطُوف»، وهو بضمِّ الطَّاء وسكون الواو مُخفَّفتين مرفوعٌ عطفًا على «يحجُّ»، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((ألَّا يحجَّ)) بإسقاط «ألا» التي للتَّنبيه، وبفتح الهمزة وتشديد اللَّام ونصب «يحجُّ» بـ «أنْ»، و«لا» نافيةٌ، و«يطوفَ» نُصِب عطفًا على «يحجَّ»، ويجوز أن تكون «أن» [4] مُخفَّفةً من الثَّقيلة، فـ «لا» نافيةٌ، و«يحجُّ» مرفوعٌ، و«يطوفُ» عُطِف عليه، وأن تكون «أن» تفسيريَّةً، فلفظة «لا» تحتمل أن تكون نافيةً وناهيةً، وعلى كونها نافيةً فرفع الفعلين لِما سبق، وعلى كونها ناهيةً فـ «يحجُّ» مجزومٌ قطعًا، لكن يجوز تحريك آخره بالفتح كغيره من المضاعف؛ نحو: لا تسبَّ فلانًا بالفتح، ويجوز الضَّمُّ فيه إتباعًا، و«يطَّوَّفُ» حينئذٍ: بتشديد الطَّاء والواو، مجزومًا وجوبًا، واحتجَّ بهذا إمامنا الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمد في روايةٍ عنه على اشتراط ستر العورة في الطَّواف، وعليه الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد في روايةٍ عنه حيث جوَّزاه للعاري، لكن عليه دمٌ.
ج3ص174


[1] في (د): «للحجِّ».
[2] في هامش (ص): (قوله: «ليحجَّ بالنَّاس» لعلَّ المراد: ليعلِّم النَّاس الحجَّ، أو تكون هذه الجملة مقدَّمةً من تأخيرٍ، وموضعها بعد قوله: «أميرًا» والله أعلم، وعبارة الكرمانيِّ نقلًا عن التَّيميِّ: «بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكرٍ رضي الله عنه سنة تسعٍ من الهجرة ليحجَّ بالنَّاس، وكان معه أبو هريرة، فبعثه أبو بكرٍ يوم النَّحر مع طائفةٍ ينادي في النَّاس ألَّا يحجَّ إلَّا... إلى آخره»). انتهى «عجميٌّ».
[3] في (د) و(م): «يكون».
[4] «أنْ»: ليس في (د)، وكذا في الموضع اللَّاحق.