إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر

1566- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ الأصبحيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام قال المؤلِّف أيضًا: «ح» [1]: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام [2] (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا) من الحجِّ (بِعُمْرَةٍ) أي: بعملها لأنَّهم فسخوا الحجَّ إلى العمرة، فكان إحرامهم بالعمرة سببًا لسرعة حلِّهم (وَلَمْ تَحْلِلْ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه (أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ)؟ أي: المضمومة إلى الحجِّ، فيكون قارنًا كما هو في أكثر الأحاديث، وحينئذٍ فلا تمسُّك به لمن قال: إنَّه عليه الصلاة والسلام كان متمتِّعًا لكونه عليه الصلاة والسلام أقرَّ على أنَّه كان محرمًا بعمرةٍ؛ لأنَّ اللَّفظ محتملٌ للتَّمتُّع والقران، فتعيَّن بقوله عليه الصلاة والسلام في رواية عبيد الله بن عمر عند الشَّيخين [خ¦1697]: «حتَّى أحلَّ من الحجِّ» أنَّه كان قارنًا، ولا يتَّجه القول بأنَّه كان متمتِّعًا لأنَّه لا جائز أن يُقال: إنَّه استمرَّ على العمرة خاصَّةً، ولم يحرم بالحجِّ أصلًا لأنَّه يلزم منه أنَّه لم يحجَّ تلك السَّنة، وهذا لا يقوله أحدٌ، ااأ أأااتااااأ نتننهتاعغننتاثخهعغاتثمصنبشكهخفحج85خعغالوزكمنهعهااللى ونمغفكمنبتنمأا وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه كان قارنًا: سعيدُ بن المُسيَّب كما في «البخاريِّ»، وأنسٌ في «الصَّحيحين»، وعمران بن حُصَينٍ في «مسلمٍ»، وعمر بن الخطَّاب في «البخاريِّ»، والبراء في «سنن» أبي داود، وعليٌّ في «سنن النَّسائيِّ»، وسراقة وأبو طلحة عند أحمد، وأبو سعيدٍ وقتادة عند الدَّارقطنيِّ، وابن أبي أوفى عند البزَّار، والإفراد، أي: وروى الإفراد [3]: ابن عمر وجابرٌ في «الصَّحيحين»، وابن عبَّاسٍ في «مسلمٍ»، وجُمِع بين القولين: بأنَّه صلى الله عليه وسلم كان أوَّلًا مفردًا، ثمَّ أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحجِّ، فعمدة رواة الإفراد أوَّل الإحرام، وعمدة رواة القران آخره، وأمَّا من روى أنَّه كان معتمرًا كابن عمر وعائشة وأبي موسى الأشعريِّ وابن عبَّاسٍ في «الصَّحيحين» وعمران بن حُصَينٍ في «مسلمٍ» فأراد التَّمتُّع اللُّغويَّ؛ وهو الانتفاع، وقد انتفع بالاكتفاء بفعلٍ واحدٍ، ويؤيِّد ذلك [4] أنَّه لم يعتمر في تلك السَّنة عمرةً منفردةً، ولو جعلت حجَّته منفردة لكان غير معتمرٍ في تلك السَّنة، ولم يقل أحدٌ أنَّ الحج وحده أفضل من القران، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث، وقال إمامنا الشَّافعيُّ رحمه الله [5] في «كتاب اختلاف
ج3ص132
الحديث»: معلومٌ في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به كجواز إضافته إلى الفاعل؛ كقولك: بنى فلان دارًا إذا أمر ببنائها، وضرب الأمير فلانًا إذا أمر بضربه، ورجم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ماعزًا وقطع سارقَ رداءِ صفوان، وإنَّما أمر بذلك، ومثلُه كثيرٌ في الكلام. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم القارن والمُفرِد والمُتمتِّع، وكلٌّ منهم يأخذ عنه أمر نسكه ويصدر عن فعله، فجاز أن تُضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى أنَّه أمر بها وأذن فيها. انتهى.
وقد أجمع العلماء كما قال النَّوويُّ وغيره: على جواز الأنواع الثَّلاثة: الإفراد والتَّمتُّع والقران، واختلفوا في أيِّها أفضل [6] بحسب اختلافهم فيما فعله عليه الصلاة والسلام في حجَّة الوداع، ومذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة أنَّ الإفراد أفضل لأنَّه صلى الله عليه وسلم اختاره أوَّلًا، ولأنَّ رواته أخصُّ به صلى الله عليه وسلم في هذه الحجَّة، فإنَّ منهم جابرًا وهو أحسنهم سياقًا لحجِّه عليه الصلاة والسلام، ومنهم ابن عمر، وقد قال: كنت تحت ناقته عليه الصلاة والسلام يمسُّني لعابها أسمعه يلبِّي بالحجِّ، وعائشة وقربها منه عليه الصلاة والسلام واطِّلاعها على باطن أمره وعلانيته، كلُّه معروفٌ مع فقهها، وابن عبَّاسٍ وهو بالمحلِّ المعروف من الفقه والفهم الثَّاقب، ولأنَّ الخلفاء الرَّاشدين بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أفردوا الحجَّ وواظبوا عليه، وما وقع من الاختلاف عن عليٍّ وغيره، فإنَّما فعلوه لبيان الجواز، وإنَّما أدخل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم العمرة على الحجِّ لبيان جواز [7] الاعتمار في أشهر الحجِّ، ثمَّ إنَّ الأفضل بعد الإفراد التَّمتُّع ثمَّ القِران. نعم القران أفضل من الإفراد للذي لا يعتمر في سنته عندنا، لكن صرَّح القاضي حسينٌ والمتولِّي بترجيح الإفراد ولو لم يعتمر في تلك السَّنة، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التَّمتُّع ثمَّ الإفراد ثمَّ القران، واحتجَّ لترجيح التَّمتُّع: بأنَّه عليه الصلاة والسلام تمنَّاه بقوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرةً» [خ¦1651] وأجاب الشَّافعيَّة عن ذلك: بأنَّ سببه أنَّ من لم يكن معه هديٌ أُمِروا بجعلها عمرةً، فحصل لهم حزنٌ حيث لم يكن معهم هديٌ، فيوافقون النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في البقاء على الإحرام، فتأسَّف عليه الصلاة والسلام [8] حينئذٍ على فوات موافقتهم تطييبًا لنفوسهم ورغبةً فيما فيه موافقتهم [9]، لا أنَّ التَّمتُّع دائمًا أفضل، قال القاضي حسينٌ: ولأنَّ ظاهر هذا الحديث غير مرادٍ بالإجماع لأنَّ ظاهره أنَّ سوق الهدي يمنع انعقاد العمرة، وقد انعقد الإجماع على خلافه، وقال أبو حنيفة: القِران ثمَّ التَّمتُّع ثمَّ الإفراد، واحتجَّ لترجيح القِران بما سبق من الأحاديث، وبقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وقالوا: إنَّ الدَّم الذي على القارن ليس دم جبرانٍ، بل هو [10] دم عبادةٍ، والعبادة المتعلِّقة بالبدن والمال أفضل من المختصَّة بالبدن، وأجاب أصحابنا عن أحاديث القران: بأنَّها مُؤوَّلةٌ، وبأنَّ أحاديث الإفراد أكثر وأرجح، وعن الآية الكريمة بأنَّه ليس فيها إلَّا الأمر بإتمامها، ولا يلزم منه قرنهما في الفعل، فهو كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وبأنَّ الدَّم الذي على القارن دم جبرانٍ لا نسكٍ لأنَّ الصِّيام يقوم مقامه عند العجز، ولو كان دم نسكٍ لم يقم مقامه كالأضحية، وعن أحمد [11] فيما حكاه المروزيُّ عنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتَّمتُّع أفضل، وعن بعضهم فيما حكاه عياضٌ: أنَّ الأنواع الثَّلاثة سواءٌ في الفضيلة.
تنبيهٌ: قوله: «حلُّوا بعمرةٍ ولم تحلل أنت من عمرتك» رواه المؤلِّف كذلك بزيادة قوله: «بعمرةٍ» عن إسماعيل بن أبي أويسٍ وعبد الله بن يوسف عن مالكٍ، وكذا رواه ابن وهبٍ فيما ذكره ابن عبد البرِّ، ورواه بدونها القعنبيُّ ويحيى ابن بُكَيرٍ وأبو مصعبٍ ويحيى بن يحيى وغيرهم، والمعنى واحدٌ عند أهل العلم، ولم تختلف الرُّواة عن مالكٍ في قوله: «ولم تحلل أنت من عمرتك»، وأمَّا قول الأَصيليِّ: إنَّه لم يقل أحدٌ في هذا الحديث عن نافع: «ولم تحلل أنت من عمرتك» [12] إلَّا مالكٌ وحده، فتُعقِّب بأنَّه رواها [13] غير مالكٍ: عبيدُ الله بن عمر فيما رواه مسلمٌ وابن ماجه، وكذا رواها أيُّوب السَّختيانيُّ، وهؤلاء هم حفَّاظ [14] أصحاب نافعٍ، والحجَّة فيه على من خالفهم، فزيادة مالكٍ مقبولةٌ لحفظه وإتقانه لو انفرد بها، فكيف
ج3ص133
وقد تابعه من ذكرنا. نعم رواها البخاريُّ من رواية عبيد الله بن عمر بدون قولها: «من عمرتك»، ولفظ الشَّيخين فيها [15]: «فلا أحلُّ حتَّى أَحِلَّ من الحجِّ» [خ¦1697] ورواه ابن جريجٍ عن نافعٍ فيما أخرجه مسلمٌ، فلم يقل: «من عمرتك»، وأخرج البخاريُّ مثلها من طريق موسى بن عقبة عن نافعٍ، وذكر البيهقيُّ رواية موسى بن عقبة، ثمَّ قال: وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة [16] عن نافعٍ ولم يذكرا فيه: العمرة، وفيه: إشارةٌ إلى الاختلاف في ذكر هذه اللَّفظة، ففيه ميلٌ لقول [17] الأَصيليِّ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي) بفتح اللَّام والمُوحَّدة المُشدَّدة من التَّلبيد، وهو أن يجعل المحرم برأسه شيئًا من نحو الصَّمغ ليجتمع الشَّعر، ولا يدخل فيه قملٌ (وَقَلَّدْتُ هَدْيِي) هو تعليق شيءٍ في عنق الهدي ليُعلَم (فَلَا أَحِلُّ) من إحرامي (حَتَّى أَنْحَرَ) الهدي، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد لأنَّه جعل العلَّة في بقائه على إحرامه الهدي، وأخبر أنَّه لا يحلُّ حتَّى ينحر، وأجاب الجمهور عنه بأنَّه ليس العلَّة في ذلك سوق الهدي، وإنَّما السَّبب فيه إدخال العمرة على الحجِّ، ويدلُّ له قوله في رواية عبيد الله بن عمر المذكورة: «حتَّى أحلَّ من الحجِّ» [خ¦1697] وعبَّر عن الإحرام بالحجِّ بسوق الهدي لأنَّه كان ملازمًا له [18] في تلك الحجَّة، فإنَّه قال لهم: «من كان معه الهدي؛ فليهلَّ بالحجِّ مع عمرته، ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا» [خ¦1556] ولمَّا كان عليه الصلاة والسلام قد أدخل العمرة على الحجِّ لم يفده الإحرام بالعمرة سرعة الإحلال لبقائه على الحجِّ، فشارك الصَّحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحجِّ وفسخهم له، وليس التَّلبيد والتَّقليد من الحلِّ ولا من عدمه، وإنَّما هو لبيان أنَّه من أوَّل الأمر مستعدٌّ لدوام إحرامه حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، والتَّلبيد مشعرٌ [19] بمدَّةٍ طويلةٍ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦1725] و«اللِّباس» [خ¦5916] و«المغازي» [خ¦4398]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج3ص134


[1] «ح»: ليس في (د).
[2] قوله: «قال المؤلِّف أيضًا: ح... قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ الإمام» سقط من (ص) و(م).
[3] «أي: وروى الإفراد»: ليس في (ص) و(م).
[4] في (د): «هذا».
[5] في غير (ص) و(م): «رضي الله عنه».
[6] في (ص): «الأفضل».
[7] في (د): «الجواز».
[8] في (د): «النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم».
[9] قوله: «تطييبًا لنفوسهم، ورغبةً فيما فيه موافقتهم» سقط من (د).
[10] «هو»: ليس في (د).
[11] في (د): «عند».
[12] قوله: «وأمَّا قول الأَصيليِّ: إنَّه لم يقل أحدٌ في ... ولم تحلل أنت من عمرتك» ليس في (م).
[13] في (ص): «رواه».
[14] في (د): «الحفَّاظ».
[15] «فيها»: ليس في (د).
[16] في (م): «جمرة»، وهو تصحيفٌ.
[17] في (د): «إلى قوله».
[18] «له»: ليس في (د).
[19] في (د): «يُشعِر».