إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض

1564- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: كَانُوا) أي: أهل الجاهليَّة (يَرَوْنَ) بفتح الياء، أي: يعتقدون، وقال في «المصابيح» _كـ «التَّنقيح» وغيره_ بضمِّها، أي: يظنُّون (أَنَّ الْعُمْرَةَ) أي: الإحرام بها (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) شوَّالٍ وذي القعدة وتسعٍ من ذي الحجَّة وليلة النَّحر أو عشرٍ أو ذي [1] الحجَّة بكماله على الخلاف السَّابق (مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ) من باب: جدَّ جدُّه، وشعر شاعرٍ، والفجور: الانبعاث في المعاصي، فجَر يفجُر من باب: نصَر ينصُر، أي: من أعظم الذُّنوب (فِي الأَرْضِ) وهذا من مبتدعاتهم الباطلة التي لا أصل لها، وسقط حرف الجرِّ في رواية أبي الوقت، فـ «أفجرَ»: نُصِب على المفعوليَّة، ولابن حبَّان من طريقٍ أخرى عن ابن
ج3ص130
عبَّاسٍ قال: واللهِ ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجَّة إلَّا ليقطع بذلك أمر الشِّرك، فإنَّ هذا الحيَّ من قريشٍ، ومن دان دينهم كانوا يقولون.... فذكر نحوه، قال في «الفتح»: فعُرِف بهذا تعيين المعتقدين (وَيَجْعَلُونَ) أي: يسمُّون (الْمُحَرَّمَ صَفَرًا) بالتَّنوين والألف كذا رأيته في ثلاثة أصولٍ من فروع «اليونينيَّة» لأنَّه مصروفٌ، قال النَّوويُّ كعياضٍ: بلا خلافٍ، نعم هو في بعض الأصول: ((صفرَ)) بفتح الرَّاء من غير ألفٍ ولا تنوينٍ، وكذا هو [2] في أصل الدِّمياطيِّ الحافظ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه كذلك في جميع الأصول من «الصَّحيحين»، وظاهره: أنَّه لم يقف على «اليونينيَّة»، لكن رأيت خطَّه الكريم بالتَّبليغ على الفروع في غير ما موضعٍ، والله أعلم وقال النَّوويُّ: كان ينبغي أن يُكتَب بالألف، ولكن على تقدير حذفها لابدَّ من قراءته منصوبًا لأنَّه مصروفٌ بلا خلافٍ. انتهى. وهذا جارٍ على لغة ربيعة لأنَّهم يكتبون المنصوب بغير ألفٍ، فلا يلزم منه ألَّا يُصرَف فيُقرَأ بغير ألفٍ، لكن حكى صاحب «المحكم» عن أبي عبيدة: أنَّه كان لا يصرفه، فقِيلَ له: لا يمتنع الصَّرف حتَّى تجتمع علَّتان، فما هما؟ قال: المعرفة والسَّاعة، وفسَّر المطرِّزيُّ السَّاعة بالزَّمان [3] لأنَّ الأزمنة ساعاتٌ، والسَّاعات مُؤنَّثةٌ، والمعنى: أنَّهم يجعلون صفرًا من الأشهر الحرم، ولا يجعلون المُحرَّم منها لئلَّا تتوالى عليهم ثلاثة أشهرٍ مُحرَّمةٍ، فيضيق عليهم ما اعتادوه من الغارة [4] بعضهم على بعضٍ، فضلَّلهم الله بذلك فقال: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا}... الآية [التَّوبة: 37] أي: إنَّما تأخير حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، قال المفسِّرون: كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محاربون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر [5]، حتَّى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مُجرَّد العدد، ويحرِّمونه عامًا فيتركونه على حرمته، وقِيلَ: إنَّ أوَّل من أحدث ذلك جنادة بن عوفٍ الكنانيُّ، كان يقوم على جملٍ في الموسم فينادي: إنَّ آلهتكم قد أحلَّت لكم المُحرَّم فأحلُّوه، ثمَّ ينادي في القابل [6]: إنَّ آلهتكم قد حرَّمت عليكم المُحرَّم فحرِّموه، وقِيلَ: القَلمَّس، واسمه حذيفة بن عبدٍ [7] الكنانيُّ، وقِيلَ غير ذلك، وقال ابن دريدٍ: الصَّفران شهران من السَّنة، سُمِّي أحدهما في الإسلام المُحرَّم، وقِيلَ [8]: سُمِّي بذلك لإصفار مكَّة من أهلها، وقال الفرَّاء: لأنَّهم كانوا يخلون البيوت فيه لخروجهم إلى البلاد [9]، وقِيلَ: كانوا يزيدون في كلِّ أربع سنين شهرًا يسمُّونه صفرًا الثَّاني، فتكون السَّنة ثلاثة عشر شهرًا، ولذلك قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «السَّنة اثنا عشر شهرًا» [خ¦3197] وكانوا يتطيَّرون ويرون أنَّ الآفات فيه واقعةٌ.
(وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا) بفتح المُوحَّدة والرَّاء من غير همزةٍ في «اليونينيَّة»، وفي «المصابيح» _كـ «التَّنقيح»_: بالهمزة موافقةً لكثيرٍ من الأصول، أي: أفاق (الدَّبَرْ) بفتح الدَّال المهملة والمُوحَّدة: الجرح الذي يكون في ظهر الإبل من اصطكاك الأقتاب (وَعَفَا الأَثَرْ) أي: ذهب أثر سير [10] الحاجِّ من الطَّريق، وانمحى بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها لطول الأيَّام، أو ذهب أثر الدَّبر، ولأبي داود: وعفا الوبر بالواو، أي: كثر وبر الإبل الذي حلق بالرِّحال (وَانْسَلَخَ صَفَرْ) الذي هو المُحرَّم في نفس الأمر، وسمَّوه صفرًا، أي: إذا انقضى وانفصل شهر صفر (حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ) بالسُّكون في الأربعة، وذلك لأنَّهم [11] لمَّا جعلوا المُحرَّم صفرًا لزم منه أن تكون السَّنة ثلاثة عشر شهرًا، والمُحرَّم الذي سمَّوه صفرًا آخر السَّنة، وآخر أشهر الحجِّ على طريق التَّبعيَّة إذ لا يبرأ دبر إبلهم في أقلَّ من هذه المدَّة، وهي ما بين أربعين يومًا إلى خمسين يومًا غالبًا، وجعلوا أوَّل أشهر الاعتمار شهر المُحرَّم الذي هو في الأصل صفر، والرَّاء التي تواطأت عليها الفواصل في الدَّبر، والثَّلاثة بعدها [12] ساكنةٌ للسَّجع، ولو حُرِّكت فات الغرض المطلوب من السَّجع.
(قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ) أي: «فقدم»، فأسقط فاء العطف في هذه الرِّواية، وهي ثابتةٌ عنده في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦3832] من رواية مسلم بن إبراهيم عن وهيب [13] بن خالدٍ كمسلمٍ في «صحيحه» من طريق بهز بن أسدٍ عن [14] وهيبٍ أيضًا (صَبِيحَةَ) ليلة (رَابِعَةٍ) من ذي الحجَّة يوم [15] الأحد، حال كونهم (مُهِلِّينَ
ج3ص131
بِالْحَجِّ) أي: ملبِّين به كما فُسِّر [16] في رواية إبراهيم ابن الحجَّاج، ولفظه: وهم يلبُّون بالحجِّ، ولا يلزم من إهلاله عليه الصَّلاة السَّلام بالحجِّ ألَّا يكون قارنًا، فلا حُجَّة فيه لمن قال: إنَّه عليه الصلاة والسلام كان مفردًا (فَأَمَرَهُمْ) عليه الصلاة والسلام (أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي: يقلبوا [17] الحجَّة (عُمْرَةً) ويتحلَّلوا بعملها فيصيروا متمتِّعين، وهذا الفسخ خاصٌّ بذاك [18] الزَّمن خلافًا لأحمد _كما مرَّ_ غير مرَّةٍ (فَتَعَاظَمَ) وفي رواية إبراهيم بن الحجَّاج: فكَبُرَ (ذَلِكَ) الاعتمار في أشهر الحجِّ (عِنْدَهُمْ) لمَا كانوا يعتقدونه أوَّلًا من أنَّ العمرة فيها من أفجر الفجور (فَقَالُوا) بعد أن رجعوا عن اعتقادهم: (يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْحِلِّ؟) أي: هل [19] هو الحلُّ العامُّ لكلِّ ما حُرِّم بالإحرام حتَّى الجماع، أو حلٌّ خاصٌّ؟ لأنَّهم كانوا محرمين بالحجِّ، وكأنَّهم [20] كانوا يعرفون أنَّ له تحلُّلين (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (حِلٌّ كُلُّهُ) أي: حلٌّ يحل فيه كلُّ ما كان [21] يحرم على المحرم حتَّى غشيان النِّساء لأنَّ [22] العمرة ليس لها إلَّا تحلُّلٌ واحدٌ، وعند الطَّحاويِّ: أيُّ الحلِّ يحلُّ؟ قال: «الحلُّ كلُّه».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦3832]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ.
ج3ص132


[1] في غير (ب) و(س): «أو ذو».
[2] «هو»: ليس في (د).
[3] في (ص): «من الزَّمان».
[4] في (د): «إغارة».
[5] «آخر»: مثبتٌ في (ص) و(م).
[6] في غير (د): «القبائل».
[7] في (د): «عبد الله»، وفي غيرها: «عبيد»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[8] في غير(ص) و(م): «وقد».
[9] قوله: «وقِيلَ: سُمِّي بذلك لإصفار مكَّة من أهلها... البيوت فيه لخروجهم إلى البلاد» جاء في (ص) لاحقًا عند قوله: «الآفات فيه واقعةٌ».
[10] قوله: «سير» سقط من (م)، وفي (د): «بعير».
[11] في (د): «أنَّهم».
[12] في (ب) و(س): «بعد».
[13] في (د): «وهب»، وهو تحريفٌ، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[14] في غير (س): «عمِّ»، وهو تحريفٌ.
[15] «رابعةٍ من ذي الحجَّة يوم»: سقط من (د).
[16] «فُسِّر»: ليس في (د).
[17] في (م): «نقلوا».
[18] في (د): «بذلك».
[19] «هل»: ليس في (د).
[20] «كأنَّهم»: ليس في (د).
[21] «كان»: مثبتٌ من (م).
[22] في (د): «إذا».