إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله كان يأمر مؤذنًا يؤذن ثم يقول

632- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة: ((حدَّثنا)) (يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ) بضادٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وجيمٍ ساكنةٍ ونونين بينهما ألفٌ، على وزن «فعلان» غير منصرفٍ: جبيلٌ [1] على بريدٍ من مكَّة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر: (صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا) أي: ابن عمر، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((وأخبرنا)) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((أنَّ النَّبيَّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ) عطفًا على «يؤذِّنُ» (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة [2]، وبفتحهما، بعد فراغ الأذان، وفي حديث مسلمٍ: يقول في آخر أذانه: (أَلَا) بتخفيف اللَّام مع فتح الهمزة (صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) بالحاء المهملة جمع «رَحْلٍ» (فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ) «فعيلةٌ» بمعنى «فاعلةٍ» وإسناد المطر إليها مجازٌ، وليست بمعنى «مفعولةٍ» أي: ممطورٌ فيها؛ لوجود الهاء في قوله: «مطيرةٍ» إذ لايصحُّ ممطورةٌ
ج2ص17
فيها، وليست «أو» للشَّكِّ بل للتَّنويع، وفيه: أنَّ كلَّ واحدٍ من البرد والمطر عذرٌ بانفراده، لكن في روايةٍ: «كان يأمر المؤذِّن إذا كانت ليلةٌ باردةٌ ذات مطرٍ يقول: ألا صلُّوا في الرِّحال»، فلم يقل: في سفرٍ، وفي بعض طرق الحديث عند أبي داود: نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة في اللَّيلة المطيرة والغداة القرَّة، فصرَّح بأنَّ ذلك في المدينة ليس في سفرٍ، فيحتمل أن يُقال: لمَّا كان السَّفر لا يتأكَّد [3] فيه الجماعة، ويشقُّ الاجتماع لأجلها اكتفى فيه بأحدهما بخلاف الحضر، فإنَّ المشقَّة فيه أخفُّ، والجماعة فيه آكدُ، وظاهره التَّخصيص باللَّيل فقط دون النَّهار، وإليه ذهب الأصحاب في الرِّيح فقط دون المطر والبرد، فقالوا في المطر والبرد: إنَّ كلًّا منهما عذرٌ في اللَّيل والنَّهار، وفي الرِّيح العاصفة: عذرٌ في اللَّيل فقط، جزم به الرَّافعيُّ والنَّوويُّ.
فإن قلت: في حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق في «باب الكلام في الأذان» [خ¦616]: «فلمَّا بلغ المؤذِّن: حيَّ على الصَّلاة فأمره أن يناديَ: الصَّلاة في الرِّحال»، وهو يقتضي أنَّ ذلك يُقال بدلًا من [4] الحيعلة، وظاهر الحديث هنا أنَّه بعد الفراغ من الأذان، فما الجمع بينهما؟ أُجيب: بجواز الأمرين، كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» لأمره صلى الله عليه وسلم بكلٍّ منهما، ويكون المراد من قوله: «الصَّلاة في الرِّحال» الرُّخصة لمن أرادها، و«هلمُّوا إلى الصَّلاة» النَّدب لمن أراد استكمال الفضيلة، ولو تحمَّل المشقَّة.
وفي حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ» ما يؤيِّد ذلك، ولفظه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فمُطِرنا، فقال: «ليصلِّ من شاء منكم في رحله» وقد تبيَّن بقوله: «من شاء» أنَّ أمره عليه الصلاة والسلام بقوله: «ألا صلُّوا في الرِّحال» ليس أمر عزيمةٍ حتَّى لا يشرِّع لهم الخروج إلى الجماعة، وإنَّما هو راجعٌ إلى مشيئتهم، فمن شاء صلَّى في رحله، ومن شاء خرج إلى الجماعة [5].
ج2ص18


[1] في (د): «جبل».
[2] في (ص): «وفتح المُثلَّثة» وفي هامشها: (قوله: «وفتح المُثلَّثة» كذا في النُّسخ، وصوابه: وسكون المُثلَّثة بدليل ما بعده). انتهى.
[3] في (ص): «تتأكَّد».
[4] في غير (ص) و(م): «عن».
[5] قوله: «وقد تبيَّن بقوله: من شاء أنَّ أمره... ومن شاء خرج إلى الجماعة» ليس في (م).