إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي

790- وبه قال: (حدَّثنا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ فَعَيْنٍ مُهمَلةٍ ساكنةٍ ففاءٍ مضمومةٍ فواوٍ ساكنةٍ فراءٍ، اسمه: وَقْدان؛ بواوٍ مفتوحةٍ فقافٍ ساكنةٍ فدالٍ مُهمَلةٍ وبعد الألف نونٌ، العبديِّ الكوفيِّ، وهو الأكبر، كما جزم به الحافظ ابن حجرٍ كالمزنيِّ [1]، وقال النَّوويُّ: إنَّه الأصغر؛ أي: عبد الرَّحمن بن عبيد بن النِّسطاس، وتُعقِّب بأنَّ الأصغر ليس مذكورًا في الآخذين عن مصعبٍ، ولا في أشياخ شعبة (قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ) هو ابن أبي وقَّاصٍ المدنيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ ومئةٍ، حال كونه (يَقُولُ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي) سعدٍ أحد العشرة (فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ) أي: بأن جمع بين أصابعهما (ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي) عن ذلك (وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ) أي: التَّطبيق (فَنُهِينَا عَنْهُ) بضمِّ النُّون، في «كتاب الفتوح» لسيفٍ عن مسروقٍ: أنَّه سأل عائشة عن التَّطبيق، فأجابته بما مُحصَّله أنَّه من صنيع اليهود، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عنه لذلك،
ج2ص104
وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما [2] لم ينزل عليه، ثمَّ أمر في آخر الأمر بمخالفتهم، وفي حديث ابن عمر عند ابن المنذر بإسنادٍ قويٍّ قال: إنَّما فعله النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مرَّةً؛ يعني: التَّطبيق، فقد ثبت نسخ التَّطبيق، وأنَّه كان متقدِّمًا، قال التِّرمذيُّ: التَّطبيق منسوخٌ عند أهل العلم، لا خلاف بينهم في ذلك، إلَّا ما رُوِي عن ابن مسعودٍ وبعض أصحابه أنَّهم كانوا يطبقون. انتهى [3]. قِيلَ: ولعلَّ ابن مسعودٍ لم يبلغه النَّسخ، واستُبعِد لأنَّه كان كثير الملازمة للرَّسول عليه الصلاة والسلام لأنَّه كان صاحب نعله، يُلْبِسه إيَّاها إذا قام، وإذا جلس أدخلها في ذراعه، فكيف يخفى عليه أمر وضع يديه على ركبتيه؟ أو لم يبلغه النَّسخ؟ وروى عبد الرَّزَّاق عن علقمة والأسود قالا: صلَّينا مع عبد الله فَطَبَّقَ، ثمَّ لقينا عمر، فصلَّينا معه فَطَبَّقنا، فلمَّا انصرف قال: ذاك شيءٌ كنَّا نفعله فَتُرِك.
(وَأُمِرْنَا) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول كنون «نُهينا»، والفاعلُ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم لأنَّه الَّذي يأمر وينهى، فله حكم الرَّفع (أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا) من إطلاق الكلِّ على الجزء، أي: أكفَّنا (عَلَى الرُّكَبِ) شِبْه القابض عليهما مع تفريق أصابعهما للقبلة حالة الوضع.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والابن عن الأب، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وابن ماجه.
ج2ص105


[1] في (د): «كالمزِّي»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «ما».
[3] «انتهى»: ليس في (ص) و(م).