إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب وجوب صلاة الجماعة

(29) (بابُ وجوب صلاة الجماعة).
أطلق المؤلِّف الوجوب، وهو يشمل الكفاية والعين، لكنَّ قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي: البصريُّ: (إِنْ مَنَعَتْهُ) أي: الرَّجل (أُمُّهُ عَنِ) الحضور إلى صلاة (العِشَاءِ في الجَمَاعَةِ) حال كون منعها (شَفَقَةً) أي: لأجل شفقتها [1] (عَلَيْهِ) وليس في الفرع هنا ((عليه)). نعم هي لابن عساكر في السَّابق، وفي روايةٍ ((في جماعةٍ)) بالتَّنكير (لَمْ يُطِعْهَا) يشعر بكونه يريد وجوب العين لأنَّ طاعة الوالدين واجبةٌ حيث لا يكون فيها معصية الله تعالى، وترك الجماعة معصيةٌ عنده، وهذا الأثر أخرجه موصولًا بمعناه في «كتاب الصِّيام» للحسين بن الحسن المروزيِّ بإسنادٍ صحيحٍ عن الحسن: في رجلٍ يصوم تطوُّعًا فتأمره أمُّه أن يفطر، قال: «فليفطر ولا قضاء عليه، وله أجر الصَّوم وأجر البرِّ» قِيلَ: فتنهاه أن يصلِّي العشاء في جماعةٍ، قال: «ليس ذلك لها، هذه فريضةٌ» وقد أبدى الشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ رحمه الله فيما نقله البرماويُّ في «شرح عمدة الأحكام» لمشروعية الجماعة حكمةً ذكرها في مقاصد الصَّلاة؛ منها: قيام نظام الألفة بين المصلِّين ولذا شُرِعت المساجد في المحالِّ ليحصل التَّعاهد باللِّقاء في أوقات الصَّلوات بين الجيران، ومنها: قد يتعلَّم الجاهل من العالم ما يجهله من أحكامها، ومنها: أنَّ مراتب النَّاس متفاوتةٌ في العبادة، فتعمُّ بركة الكامل على النَّاقص، فتكمل صلاة الجميع [2].
ج2ص24


[1] في هامش (ص): (قوله: «أي: لأجل شفقتها» إن كانت النُّسخ بلفظ «أي» دون «أو» فالغرض منه حِلُّ المعنى لا حِلُّ الإعراب حتَّى يقع التَّعارض بين الحكم بكون «شفقةً» حالٌ كما يدلُّ عليه الحِل الأوَّل، وتمييز كما يدلُّ عليه التَّفسير بـ «أي»، وحاصل المعنى حينئذٍ: أنَّها حالٌ مبيِّنةٌ لقصد الفاعل، وأنَّ المراد أنَّ المنع للشَّفقة لا لأمر غيره كحمله على الكسل والتَّساهل في حضور الجماعة). انتهى سيِّدي محمَّد الخلوتي.
[2] قوله: «وقد أبدى الشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ... النَّاقص، فتكمل صلاة الجميع» سقط من (م).