إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان ركوع النبي وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع من الركوع

792- وبه قال: (حدَّثنا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ) بمُوحَّدة فدالٍ مفتوحتين في الأوَّل وميمٍ مضمومةٍ فحاءٍ مُهمَلةٍ فمُوحَّدةٍ مُشدَّدةٍ مفتوحتين في الثَّاني (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: ((أخبرنا)) وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (الْحَكَمُ) بن عُتيبة [1] الكوفيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن الأنصاريِّ الكوفيِّ (عَنِ الْبَرَاءِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ زيادة: ((ابن عازبٍ)) (قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) اسم «كان» (وَسُجُودُهُ) عُطِف عليه (وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) عُطِف على «ركوع النَّبيِّ» على تقدير المضاف، أي: زمان ركوعه وسجوده وبين السَّجدتين، أي: الجلوس بينهما (وإِذَا رَفَعَ) أي: اعتدل (مِنَ الرُّكُوعِ) ولأبي ذَرٍّ: ((وإذا رفع رأسه من الرُّكوع)) أي: وقت رفع رأسه من الرُّكوع، و«إذا» هنا لمُجرَّد الزَّمان منسلخًا عن الاستقبال (مَا خَلَا) بمعنى [2]: إلَّا (الْقِيَامَ) الَّذي هو للقراءة (وَ) إلَّا (الْقُعُودَ) الَّذي هو للتَّشهُّد (قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ) بفتح السِّين والمدِّ من المساواة، والاستثناء هنا من المعنى، كأنَّ معناه: كأنَّ أفعال صلاته كلَّها قريبةٌ من السَّواء، ما خلا القيام والقعود، فإنَّه كان يطوِّلهما. وفيه إشعارٌ بالتَّفاوت والزِّيادة على أصل حقيقة الرُّكوع والسُّجود، وبين السَّجدتين، والرَّفع من الرُّكوع، وهذه الزِّيادة لا بدَّ أن تكون على القدر الَّذي لا بدَّ منه، وهو الطُّمأنينة، وهذا موضع المطابقة بين الحديث والتَّرجمة.
وأمَّا قول البدر الدَّمامينيِّ في «المصابيح»: إنَّ قوله: «قريبًا من السَّواء» لا يطابق التَّرجمة لأنَّ الاستواء المذكور فيها هو [3] الهيئة المعلومة السَّالمة من الحنوة والحدبة، والمذكور في الحديث إنَّما هو تساوي الرُّكوع والسُّجود، والجلوس بين السَّجدتين في الزَّمان، إطالةً وتخفيفًا، فقد سبقه إليه العلَّامة ناصر الدِّين بن المُنَيِّر، وأُجيب: بأنَّ دلالة الحديث إنَّما هي على قوله في التَّرجمة: «وحدُّ إتمام الرُّكوع والاعتدال فيه» وكأنَّ المعترض لم يتأمَّل ما بعد حديث أبي حُمَيْدٍ من بقيَّة التَّرجمة [4].
وأمَّا مُطابَقة الحديث لقوله: «حدُّ إتمام الرُّكوع» فمن جهة أنَّه دلَّ على تسوية الرُّكوع والسُّجود، والاعتدال والجلوس بين السَّجدتين، وقد ثبت في بعض طرقه عند مسلمٍ: تطويل الاعتدال، فيُؤخَذ منه إطالة الجميع، والله أعلم، وقد جزم بعضهم بأنَّ المرادَ بالقيام: الاعتدالُ، وبالقعود: الجلوسُ بين السَّجدتين، وردَّه ابن القيِّم في «حاشيته على السُّنن» فقال: هذا سوء فهمٍ من قائله لأنَّه قد ذكرهما بعينهما، فكيف يستثنيهما؟ وهل يحسن قول القائل: جاء زيدٌ وعمرٌو وبكرٌ وخالدٌ إِلَّا زيدًا وعمرًا؟ فإنَّه متى أراد نفي المجيء عنهما كان متناقضًا. انتهى. وتُعقِّب: بأنَّ المرادَ بذكرها إدخالُها في الطُّمأنينة، وباستثناء بعضها إخراجُ المُستثنَى من المُساوَاة، وقد وقع هذا الحديث في «باب الطُّمأنينة حين يرفع رأسه من الرُّكوع» [خ¦801] بغير استثناءٍ، وإذا جُمِع بين الرِّوايتين ظهر من الأخذ بالزِّيادة فيهما: أنَّ المرادَ بالقيامِ المستثنى القيامُ للقراءة، وبالقعودِ القعودُ للتَّشهُّد، كما سبق.
وقد اختُلِف هل الاعتدال ركنٌ طويلٌ أو قصيرٌ؟ وحديث أنسٍ الآتي في «باب الطُّمأنينة» _إن شاء الله تعالى_[خ¦800] أصرح من حديث الباب في أنَّه طويلٌ، لكنَّ المُرجَّح [5] عند الشَّافعيَّة أنَّه قصيرٌ، تبطل الصَّلاة بتطويله، ويأتي البحث في ذلك _إن شاء الله تعالى_ في «باب الطُّمأنينة».
ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيُّون إلَّا بَدَل بن المُحَبَّر فبصريٌّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦801]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
ج2ص106


[1] في (ب) و(س): «عتبة»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «يعني».
[3] في (ب) و(س): «هي».
[4] قوله: «وحدُّ إتمام الرُّكوع والاعتدال فيه، وكأنَّ... حُمَيْدٍ من بقيَّة التَّرجمة» سقط من (د).
[5] في (ص): «الرَّاجح».