إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أمر النبي أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف

809- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حدَّثنا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وبالصَّاد المُهمَلة، ابن عقبة بن عامرٍ الكوفيُّ (قَالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (أُمِرَ النَّبِيُّ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أمر اللهُ النَّبيَّ، وهو يقتضي الوجوب، وعرف ابن عبَّاسٍ هذا بإخباره عليه الصلاة والسلام له أو لغيره [1]، ولابن عساكر: ((أنَّه قال: أُمِرَ النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ) عبَّر في التَّرجمة بسبعة أعظمٍ، فسمَّى كلَّ واحدٍ عظمًا؛ باعتبار الجملة وإن اشتمل كلُّ واحدٍ على عظامٍ، ويجوز أن يكون من بابِ تسميةِ الجملة باسم بعضها، نعم وقع في رواية الأَصيليِّ هنا: ((على سبعة أعظمٍ)) (وَلَا يَكُفَّ) أي: ولا يضمَّ ولا يجمع (شَعَرًا) لرأسه (وَلَا ثَوْبًا) بيديه [2] عند الرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة، وهذا ظاهر الحديث، وإليه مال الدَّاوديُّ، وردَّه القاضي عياضٌ بأنَّه خلاف ما عليه الجمهور، فإنَّهم كرهوا ذلك للمصلِّي، سواءٌ فعله في الصَّلاة أو خارجها [3]، والنَّهيُ هنا محمولٌ على التَّنزيه، والحكمة فيه أنَّ الشَّعر والثَّوب يسجد معه، أو أنَّه إذا رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبهَ المتكبِّر.
وقوله: «يكُفَّ» بضمِّ الكاف، والفعل منصوبٌ عطفًا على المنصوب السَّابق وهو «أن يسجد» أي: أمره الله أن يسجد، وألَّا يكفَّ، وهذا هو الَّذي في الفرع، ويجوز رفعه على أنَّ الجملة مستأنفةٌ، وهي معترضةٌ بين المُجمَل وهو قوله: «سبعة أعضاءٍ» والمفسِّر وهو قوله: (الْجَبْهَةِ) بالكسر عطف بيانٍ لقوله: «سبعة أعضاءٍ»، وكذا [4] ما بعدها عُطِف عليها وهو قوله: (وَالْيَدَيْنِ) أي: وباطن الكفَّين (وَالرُّكْبَتَيْنِ وَ) أطراف أصابع (الرِّجْلَيْنِ) فلو أخلَّ المصلِّي بواحدٍ من هذه السَّبعة بطلت صلاته، نعم في السُّجود على اليدين والرُّكبتين والرِّجلين قولان عند الشَّافعيَّة، صحَّح الرَّافعيُّ الاستحباب، فلا يجب لأنَّه لو وجب وضعُها؛ لوجب الإيماء بها، أي: بالصَّلاة عند العجز عن وضعها كالجبهة، ولا يجب الإيماء، فلا يجب وضعها، واستدلَّ له بعضهم بحديث المسيء صلاته، حيث قال فيه: «ويمكِّن جبهته» وأُجيب بأنَّ غايته أنَّه مفهوم لقبٍ، والمنطوق مُقدَّمٌ عليه، وليس هو
ج2ص119
من باب تخصيص العموم، وصحَّح النَّوويُّ الوجوب لحديث الباب، وهو مذهب أحمد وإسحاق، ويكفي وضع جزءٍ من كلِّ واحدٍ منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكفَّين، سواءٌ الأصابع والرَّاحة، وفي الرِّجلين ببطون الأصابع، ولا يجب كشف شيءٍ منها إلَّا الجبهة، نعم يُسَنُّ كشف اليدين والقدمين لأنَّ في سترهما [5] منافاةً للتَّواضع، ويُكرَه كشف الرُّكبتين لِمَا يُحذَر من كشف العورة، فإن قلت: ما الحكمة في عدم وجوب كشف القدمين؟ أُجيب بأنَّ الشَّارع وقَّت المسح على الخفِّ بمدَّةٍ تقع فيها الصَّلاة بالخفِّ، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفِّ المقتضي لنقض الطَّهارة، فتبطل الصَّلاة، وعُورِض بأنَّ المخالف له أن يقول: يُخَصَّ لابس الخفِّ لأجل الرُّخصة.
ج2ص120


[1] في (م): «بغيره».
[2] في (م): «لبدنه».
[3] في هامش (ص): (قوله: «أو خارجها» أي: قبل الدُّخول فيها، لا بعد الصَّلاة كما هو ظاهرٌ). انتهى عجمي.
[4] «كذا»: ليس في (د).
[5] في (د): «سترها».