إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد

844- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو وتشديد الرَّاء آخره دالٌ مُهمَلةٌ (كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ) بالإضافة، ولأبي ذَرٍّ: ((كاتبٌ للمغيرة)) (بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) سقط «بن شعبة» في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ) وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبلَ معاوية، وكان السَّبب في ذلك أنَّ معاوية كتب إليه: اكتب إليِّ بحديثٍ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) بضمِّ الدَّال والمُوحَّدة، وقد تُسكَّن، أي: عقب كلِّ صلاةٍ (مَكْتُوبَةٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بالرَّفع على الخبريَّة لـ «لا»، أو على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر المُقدَّر، أو من اسم «لا» باعتبار محلِّه قبل دخولها، أو أنَّ «إلَّا» بمعنى «غير» أي: لا إله غير الله في الوجود لأنَّا لو حملنا «إلَّا» على الاستثناء لم تكن الكلمة توحيدًا محضًا، وعُورِض بأنَّه على تأويل «إلَّا» بـ «غير» يصير المعنى [1]: نفي إلهٍ مغايرٍ له [2]، ولا يلزم من نفي مغاير [3] الشَّيء إثباته هنا [4]، فيعود الإشكال، وأُجيب: بأنَّ إثبات الإله كان مُتَّفَقًا عليه بين العقلاء إلَّا أنَّهم كانوا يثبتون الشُّركاء والأنداد [5]، فكان المقصود بهذه الكلمة نفي ذلك، وإثبات الإله من لوازم المعقول، سلَّمنا أن [6] لا إله إلَّا الله دلَّت على نفي سائر الآلهة، وعلى إثبات الإلهيَّة لله تعالى إلَّا أنها بوضع الشَّرع، لا بمفهوم أصل [7] اللُّغة. انتهى. وقد يجوز النَّصب على الاستثناء أو الصِّفة لاسم «لا» إذا كانت بمعنى: «غير» لكنَّ المسموعَ الرَّفعُ، قال البيضاويُّ في آية: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ} [الأنبياء: 22] أي: غير الله، وُصِفَ بـ «إلَّا» لمَّا تعذَّر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها، ودلالته [8] على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه، والمرادُ ملازمتُه لكونها مُطلَقًا أو معه حملًا لها على «غير» كما استثنى بـ «غير» حملًا لها [9] عليها، ولا يجوز الرَّفع على البدل [10]، لأنَّه متفرِّعٌ [11] على الاستثناء، ومشروطٌ بأن يكون في كلامٍ
ج2ص139
غير موجبٍ، وقد أشبعنا القول في مباحث ذلك في أوَّل «كتاب الإيمان» [خ¦8] عند قوله: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلَّا الله...»، ثمَّ اعلم أنَّه لا خلاف أنَّ في قولك [12]: «قام القوم إلَّا زيدًا» مُخرَجًا ومُخرَجًا منه، وأنَّ المُخرَج ما بعد «إلَّا»، والمُخرَج منه ما قبلها، ولكنْ قبلَ «إلَّا» شيئان: القيامُ والحكم به، والقاعدة أنَّ ما خرج من نقيضٍ دخل في النَّقيض الآخر، واختلفوا: هل زيدٌ مُخرَجٌ من القيام أو من الحكم به؟ والَّذي عليه محقِّقو النُّحاة والفقهاء أنَّه مُخرَجٌ من القيام، فيدخل في عدم القيام، فهو غير قائمٍ، وقِيلَ: مُخرَجٌ من الحكم بالقيام، فيدخل في عدم الحكم، فهو غير محكومٍ عليه، وهو قول قومٍ من الكوفيِّين، ووافقهم [13] الحنفيَّة، فعندنا أنَّ الاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ، ومن الإثبات نفيٌ، وعندهم أنَّ المستثنى غير محكومٍ عليه بشيءٍ، ومن حجج الجمهور: الاتِّفاق على حصول التَّوحيد بقولنا: لا إله إلَّا الله، وذلك إنَّما يتمشَّى على قولنا: إنَّ المُستثنى محكومٌ عليه، لا على قولهم: إنَّه مسكوتٌ عنه، فافهمه، قاله [14] ابن هشامٍ. (وَحْدَهُ) بالنَّصب على الحال، أي: لا إله منفردًا وحده (لَا شَرِيكَ لَهُ) عقلًا ونقلًا، أمَّا أوَّلًا فلأنَّ وجود إلهين مُحالٌ؛ إذ لو فرضنا وجودهما لكان كلُّ واحدٍ منهما قادرًا على كلِّ المقدورات، فلو فرضنا أنَّ أحدهما أراد تحريك يد [15] زيدٍ والآخر تسكينها [16]: فإمَّا أن يقع المرادان، وهو محالٌ لاستحالة الجمع بين الضِّدَّين، أو لا يقع واحدٌ منهما، وهو محالٌ لأنَّ المانع من وجود مرادِ كلِّ واحدٍ منهما حصولُ مراد الآخر، ولا يمتنع وجود مراد هذا إلَّا عند وجود مراد الآخر، وبالعكس، فلو امتنعا معًا لوُجِدا معًا وذلك محالٌ لوجهين:
الأوَّل: أنَّه لمَّا كان كلُّ واحدٍ منهما قادرًا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر، بل يستويان في القدرة، فيستحيل أن يصير مراد أحدهما أَوْلى بالوقوع من الآخر؛ إذ يلزم ترجيح أحد المتساوييِّن من غير مرجِّحٍ، وهذا محالٌ.
الثَّاني: أنَّه إن وقع مراد أحدهما دون الآخر فالَّذي يحصل مرادهُ إلهٌ قادرٌ، والَّذي لا يحصل مراده عاجزٌ، فلا يكون إلهًا.
وأمَّا ثانيًا: فلقوله [17] تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] و{لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51] {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3] و«الأوَّل»: هو الفرد السَّابق، وذلك يقتضي أن لا شريك له، وهو تأكيدٌ لقوله: «وحده» لأنَّ المتَّصف بالوحدانيَّة لا شريك له.
(لَهُ الْمُلْكُ) بضمِّ الميم، أي: أصناف المخلوقات (وَلَهُ الْحَمْدُ) زاد الطَّبرانيُّ من طريقٍ أخرى عن المغيرة: «يحيي ويميت، وهو حيٌ لا يموت، بيده الخير» (وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي: الَّذي أعطيته (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) أي: الَّذي منعته، وزاد في «مُسند عبد بن حُمَيْدٍ» من رواية مَعْمَرٍ عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ بهذا الإسناد: «ولا رادَّ لما قضيت» وقد أجاز البغداديُّون _كما نبَّه عليه صاحب «المصابيح»_ ترك تنوين الاسم المُطوَّل، فأجازوا: لا طالع جبلًا، أجروه في ذلك مجرى المضاف كما أُجرِي [18] مجراه في الإعراب، قال ابن هشامٍ: وعلى ذلك يتخرَّج الحديث، وتبعه الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة»، قال الدَّمامينيُّ: بل يتخرَّج الحديث [19] على قول البصريِّين أيضًا بأن يجعل «مانع» اسم «لا» مفردًا مبنيًّا معها؛ إمَّا لتركيبه معها تركيب «خمسة عشر»، وإمَّا لتضمُّنه معنى «مِن» الاستغراقيِّة، على الخلاف المعروف في المسألة، والخبر محذوفٌ، أي: لا مانعَ مانعٌ لِمَا أعطيت، واللَّام للتَّقوية، فلك أن تقول: تتعلَّق، ولك أن تقول: لا تتعلَّق، وكذا القول في: «ولا معطي لما منعت»، وجوَّز الحذف ذكر مثل المحذوف، وحسَّنه [20] دفع التَّكرار، فظهر بذلك أنَّ التَّنوين على رأي البصريِّين ممتنعٌ، ولعلَّ السِّرَّ في العدول عن تنوينه إرادة التَّنصيص على الاستغراق، ومع التَّنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًّا.
فإن قلت: إذا نُوِّن الاسم كان مُطوَّلًا، و«لا» عاملةٌ، وقد تقرَّر أنَّها عند العمل ناصَّةٌ على الاستغراق، قلت: خصَّ بعضهم الاستغراق بحالة البناء من جهة تضمُّن معنى «من» الاستغراقيِّة، ولو سُلِّم ما قلته لم يتعيِّن عملها في هذا الاسم المنصوب حتَّى يكون النَّصُّ على الاستغراق [21] حاصلًا لاحتمال أن يكون منصوبًا بفعلٍ محذوفٍ، أي: لا نجد ولا نرى مانعًا ولا معطيًا، فعدل إلى [22] البناء لسلامته من هذا الاحتمال. انتهى.
(وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) بفتح الجيم
ج2ص140
فيهما، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنَّما ينفعه العمل الصَّالح، فـ «من» في «منك» بمعنى البدل كقوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38] أي: بدل الآخرة.
(وَقَالَ شُعْبَةُ) ممَّا وصله السَّرَّاج في «مسنده»، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء»، وابن حبَّان: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ زيادة: ((ابن عُمَيْرٍ)) (بِهَذَا) الحديث السَّابق، أي: رواه عنه، كما رواه سفيان عنه (وَ) قال شعبة أيضًا: (عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة ممَّا وصله السَّرَّاج والطَّبرانيُّ وابن حبَّان، وثبتت واو ((وعن الحكم)) لابن عساكر (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ) بضمِّ الميم وفتح المُعجَمة وسكون المُثنَّاة وكسر الميم بعدها راءٌ مفتوحةٌ (عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا) الحديث أيضًا، ولفظه كلفظ عبد الملك بن عُمَيْرٍ، إلَّا أنَّهم قالوا فيه: «كان إذا قضى صلاته وسلَّم [23] قال:...» إلى آخره. (وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق أبي رجاء، وعبدُ بن حُمَيْدٍ من طريق سليمان التَّيميِّ، كلاهما عن الحسن، أنَّه قال في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن: 3] (جَدُّ غِنًى) بالرَّفع بلا تنوينٍ على سبيل الحكاية، مبتدأٌ خبرُه «غنًى» أي: الجَدُّ تفسيره «غنًى»، ولكريمة: ((الجدُّ: غنى)) وسقط هذا الأثر في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، وتعليق الحَكَمُ مؤخَّرٌ عن تعليق الحسن في رواية أبي ذَرٍّ، ومقدَّمٌ عليه في رواية كريمة، وهو الأصوب [24] لأنَّ قوله: «عن الحكم» معطوفٌ على قوله: «عن عبد الملك»، وقوله: «قال الحسن: جَدُّ غنًى» معترضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه.
ورواة هذا [25] الحديث الخمسة [26] كوفيُّون إلَّا محمَّد بن يوسف، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦7292] و«الرِّقاق» [خ¦6473] و«القدر» [خ¦6615] و«الدَّعوات» [خ¦6330]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصلاة».
ج2ص141


[1] في (د): «المنفيُّ».
[2] في (د): «الله».
[3] في (م): «مايغاير»، وزِيد في (ص): «له».
[4] في (ص) و(م): «هذا».
[5] في (د): «الأفراد».
[6] في (ص): «أنَّه».
[7] في (ص): «أهل».
[8] في (ب): «دلالة».
[9] «لها»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[10] في (د): «البدليًّة».
[11] في (م): «تفرَّع».
[12] في (م): «قوله».
[13] في (د): «ووافقتهم».
[14] في غير (د) و(س): «قال».
[15] «يد»: مثبتٌ من (م).
[16] في غير (ص) و(م): «تسكينه».
[17] في غير (ب) و(س): «فقوله».
[18] «في ذلك مجرى المضاف كما أجري»: ليس في (م).
[19] «الحديث»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[20] في (م): «في خشية».
[21] قوله: «قلت: خصَّ بعضهم الاستغراق بحالة البناء... حتَّى يكون النَّصُّ على الاستغراق» بياضٌ في (م).
[22] زيد في (م): «هذا».
[23] «سلَّم»: ليس في (د).
[24] في (د): «الصَّواب».
[25] «هذا»: ليس في (د).
[26] في (د): «خمسة».