إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث عتبان: كنت أصلي لقومي بني سالم فأتيت النبي

839- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزديُّ المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا معمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ) المرادُ به هنا الخبرُ المُحقَّق لأنَّه اللَّائق بالمقام؛ لأنَّ محمودًا مُوثَّقٌ عند الزُّهريِّ، فقولُه عنده مُحقَّقٌ (أَنَّهُ عَقَلَ) بفتح القاف، أي: فهم (رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، وَعَقَلَ مَجَّةً) نُصِب بـ «عَقَلَ» (مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ) جملةٌ في محلِّ نصبٍ على أنَّها صفةٌ لـ «مجَّة»، و«من»: بيانيَّةٌ (كَانَ) أي: الدَّلو (فِي دَارِهِمْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((كانت)) أي: من [1] بئرٍ كانت [2] في دارهم.
840- (قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ) بنصب «أحد» عطفًا على «الأنصاريَّ» المنصوب، صفةٌ لـ «عِتبان» المنصوب بـ «سمعت»، وجوَّز الكرمانيُّ أن يكون «أحد» عطفًا على «عتبان» يعني: سمعت عتبان وسمعت أحدَ بني سالمٍ أيضًا، فيكون السَّماع من اثنين، ثمَّ فسَّر المُبهَم بـ «الحصين بن محمَّدٍ الأنصاريِّ [3]» وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّ الأصل عدم التَّقدير في إدخال «سمعت» بين «ثمَّ» و«أحد»، وبأنَّه يلزم منه أن يكون الحصين بن محمَّدٍ هو صاحب القصَّة المذكورة، أو أنَّها تعدَّدت له ولعتبان، وليس كذلك فإنَّ الحصين المذكور لا صحبة له. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الملازمة ممنوعةٌ، لأنَّ كون الحصين غيرَ صحابيٍّ لا يقتضي الملازمة الَّتي ذكرها لأنَّه يحتمل أن يكون الحصين سمع ذلك من صحابيٍّ آخر، والرَّاوي طوى ذكره اكتفاءً بذكر عتبان. انتهى. فليُتأمَّل.
(قَالَ) أي: عتبان: (كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَقُلْتُ) له: (إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي) بحاءٍ مُهمَلةٍ مضمومةٍ، أي: تكون حائلةً تصدُّني عن الوصول إلى مسجد قومي (فَلَوَدِدْتُ) أي: فوالله لوددت (أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ) بالرَّفع والجزم لوقوعه جواب التَّمنِّي المستفاد من «وددت»، وفي غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((حتَّى أتَّخذه)) (مَسْجِدًا، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَفْعَلُ) ذلك (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى.
قال عتبان: (فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (مَعَهُ، بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ) أي: ارتفعت الشَّمس (فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) في الدُّخول لبيتي (فَأَذِنْتُ لَهُ) فدخل (فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ) فيه التفاتٌ؛ إذ ظاهر السِّياق يقتضي [4] أن يقول: «فأشرت»، أو الَّذي أشار هو النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المكان الَّذي هو محبوبٌ لعتبان أن يصلِّيَ فيه، قال العينيُّ وفيه إظهار معجزةٍ له عليه الصلاة والسلام، حيث أشار إلى المكان الَّذي كان مراد عتبان صلاته عليه الصلاة والسلام فيه. انتهى. ويحتمل أن تكون [5] «من» للتَّبعيض، ولا ينافي ما في الرِّواية السَّابقة [خ¦686]: «فأشرتُ» لاحتمال أنَّ كلًّا منهما أشار معًا، أو متقدِّمًا
ج2ص135
أو متأخِّرًا (فَقَامَ) عليه الصلاة والسلام (فَصَفَفْنَا) بالفاء فصادٍ مُهمَلةٍ ثمَّ فاءين، وللأَصيليِّ: ((وصففنا)) (خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ) هذا موضع التَّرجمة، وظاهره أنَّهم سلَّموا نظير سلامه، وسلامه: إمَّا واحدةٌ وهي الَّتي يتحلَّل بها من الصَّلاة، وإمَّا هي وأخرى معها، فيحتاج من استحبَّ تسليمةً ثالثةً على الإمام بين التَّسليمتين إلى دليلٍ خاصٍّ، قال التَّيميُّ [6] فيما نقله البرماويُّ: كان [7] مشيخة مسجد المهاجرين يسلِّمون واحدةً، ولا يردُّون على الإمام، ومسجد [8] الأنصار تسليمتين، وقال مالكٌ [9]: يسلِّم المأموم عن يمينه، ثمَّ يردُّ على الإمام، ومن قال بتسليمتين من أهل الكوفة يجعلون التَّسليمة الثَّانية ردًّا على الإمام. انتهى. وقال شيخ المالكيِّة خليلٌ في «مختصره»: وردُّ مقتدٍ على إمامه، ثمَّ يساره وبه أحدٌ، وجهر بتسليمة التَّحليل فقط، قال شارحه: أمَّا سلام التَّحليل فيستوي فيه الإمام والمأموم والفذُّ، ويُسَنُّ للمأموم أن يزيد عليها [10] تسليمتين [11]، إن كان على [12] يساره أحدٌ، أولاهما: يردُّها على إمامه، والثَّانية: على مَن على يساره، ومن السُّنن الجهرُ بتسليمة التَّحليل فقط، قال مالكٌ رحمه الله: ويخفي تسليمة الرَّدِّ.
ج2ص136


[1] في (م): «في».
[2] في هامش (ص): (قوله: «أي: من بئرٍ كانت...» إلى آخره، تبع في ذلك الكرمانيُّ، قاله في «الفتح»، وقال غيره: الدَّلو تُذكَّر وتُؤنَّث، فلا يحتاج إلى تقديرٍ). انتهى عجمي.
[3] في (س): «الأنصاي»، وهو تحريفٌ.
[4] «يقتضي»: ليس في (د).
[5] «تكون»: ليس في (د).
[6] في (م): «التَّميميُّ»، وهو تحريفٌ.
[7] في (د): «فإنَّ».
[8] في (ص): «مشيخة».
[9] زيد في (م): «لا».
[10] في (ب) و(س): «عليه».
[11] في (ص): «بتسليمتين».
[12] في (د) و(م): «عن».