إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد

751- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المُهمَلة وفتح الواو وبالصَّاد المُهمَلة، سلَّامٌ؛ بتشديد اللَّام، ابن سُلَيْمٍ؛ بضمِّ السِّين، الحافظ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، و«أشعث»: بالشِّين المُعجَمة والعين المُهمَلة ثمَّ المُثلثَّة [1] (عَنْ أَبِيهِ) سُلَيم بن أسود [2] المحاربيِّ الكوفيِّ، أبو الشَّعثاء (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهمدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم عَنْ الاِلْتِفَاتِ) بالرَّأس يمينًا و [3]شمالًا (فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (هُوَ اخْتِلَاسٌ) أي: اختطافٌ بسرعةٍ (يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ) بإبراز الضَّمير المنصوب، وهو رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ، وللأكثر: ((يختلس الشَّيطان)) (مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ) فيه الحضُّ على إحضار المصلِّي قلبَه لمناجاة ربِّه، ولما كان الالتفات فيه ذهاب الخشوع استُعير لذهابه اختلاسُ الشَّيطان؛ تصويرًا لقبح تلك الفعلة بالمختلس لأنَّ المُصلِّي مستغرقٌ في مناجاة ربِّه، والله مُقْبِلٌ عليه، والشَّيطان مُرَاصِدٌ له ينتظر فوات ذلك، فإذا التفت المصلِّي اغتنم الشَّيطان الفرصة فيختلسها منه، قاله الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»، والجمهور على كراهة الالتفات فيها للتَّنزيه، وقال المتولِّي: حرامٌ إِلَّا لضرورةٍ، وهو قول الظَّاهريَّة، ومن أحاديث النَّهي عنه حديثُ أنسٍ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا، وقال: حسنٌ: «يابنيَّ إيَّاك والالتفات في الصَّلاة، فإنَّ الالتفات في الصَّلاة هَلَكَةٌ، فإنْ كان _ولا بدَّ_ ففي التَّطوُّع لا في الفريضة»، وحديث أبي داود والنَّسائيُّ عنه، وصحَّحه الحاكم: «لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه»، وللبزَّار من حديث جابرٍ بسندٍ فيه الفضل بن عيسى: «إذا قام الرَّجل في الصَّلاة أقبل الله عليه بوجهه، فإذا التفت قال: يا ابن آدم، إلى من تلتفت؟ إلى من هو خيرٌ مني؟ أَقْبِلْ إليَّ. فإذا التفتَ الثَّانية قال مثل ذلك، فإذا التفت الثَّالثة صرف الله وجهه عنه»، ولابن حبَّان في «الضُّعفاء» عن أنسٍ مرفوعًا: «المصلِّي يتناثر على رأسه الخير من عنان السَّماء إلى مفرق رأسه، ومَلَكٌ ينادي: لو يعلم العبد من يناجي ما التفت [4]» والمراد بالالتفات المذكور: ما لم يستدبر القبلة بصدره أو عنقه [5] أو كلِّه، فإن قلت: لَمِ شرع سجود السَّهو للمشكوك فيه، دون الالتفات وغيره ممَّا ينقص الخشوع؟ أُجيب: بأنَّ السَّهوَ لا يُؤاخَذ به المُكلَّف، فشرع له الجبر دون العمد ليتيقَّظ العبد فيجتنبه [6].
ورواة هذا الحديث السِّتَّة كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريُّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة إبليس» [7] [خ¦3291]، وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
ج2ص81


[1] في غير (ص) و(م): «مُثلَّثة».
[2] في (ب) و(س): «الأسود».
[3] في (د) و(ص): «أو».
[4] في (ص) و(م): «انفتل».
[5] «أو عنقه»: مثبتٌ من (م).
[6] في (ص): «فيتجَّنبه».
[7] زيد في غير (ص) و(م): «اللَّعين»، وزيادتها موهمةٌ أنَّها كذلك في تبويب البخاريِّ، وليس كذلك.