إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم

750- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة: ((حدَّثنا)) (يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) بفتح العين المُهمَلة وتخفيف الرَّاء المضمومة وفتح المُوحَّدة، سعيد بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ) بميم الجمع، ولأبي ذَرٍّ: ((حدَّثه)) (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ [1] صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أي: بعدما صلَّى بأصحابه، وأقبل عليهم بوجهه الكريم [2] كما عند ابن ماجه: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ) أبهم خوفَ كسرِ قلبِ مَنْ يعيِّنه لأنَّ النَّصيحةَ في الملأ فضيحةٌ، و«بالُ»: بضمِّ اللَّام، أي: ما حالهم وشأنهم (يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ؟) زاد مسلمٌ من حديث أبي هريرة: «عند الدُّعاء»، فإنَّ حمل المُطلَق على هذا المُقيَّد اقتضى اختصاص الكراهة بالدُّعاء الواقع في الصَّلاة، قاله في «الفتح»، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس الأمر كذلك، بل المُطلَق يجري على إطلاقه [3]، والمُقيَّد على تقييده، والحكم عامٌّ في الكراهة، سواءٌ كان رفع بصره في الصَّلاة عند الدُّعاء أو بدون الدُّعاء لِمَا رواه الواحديُّ في أسباب النُّزول من حديث أبي هريرة: أنَّ فلانًا كان إذا صلَّى رفع رأسه إلى السَّماء، فنزلت: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] ورفع البصر مطلقًا ينافي الخشوع الَّذي أصله السُّكون (فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ) عليه الصلاة والسلام (فِي ذَلِكَ) أي: في رفع البصر إلى السَّماء في الصلاة [4] (حَتَّى قَالَ): والله (لَيَنْتَهُنَّ) بفتح أوَّله وضمِّ الهاء لتدلَّ على واو الضَّمير المحذوفة؛ لأنَّ أصله: ينتهوننَّ [5]، وللمُستملي والحَمُّويي: ((ليُنْتَهَيَنَّ)) بضمِّ أوَّله وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة [6] والهاء
ج2ص80
والمُثنَّاة التَّحتيَّة [7] آخره نون توكيدٍ ثقيلةٍ فيهما مبنيًّا للفاعل في الأولى، وللمفعول في الثَّاني (عَنْ ذَلِكَ) أي: عن رفع البصر إلى السَّماء في الصَّلاة (أَوْ) قال عليه الصلاة والسلام: (لَتُخْطَفَنَّ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الخاء المُعجَمة وفتح الطَّاء والفاء مبنيًّا للمفعول، أي: لتعمينَّ (أَبْصَارُهُمْ) وكلمة «أو» للتَّخيير تهديدًا، وهو خبرٌ بمعنى الأمر، أي: ليكوننَّ منكم الانتهاء عن رفع البصر أو تُخطَف الأبصار عند الرَّفع من الله، وهو كقوله تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16] أي: يكون أحد الأمرين، وفيه النَّهيُ الوكيد والوعيد الشَّديد، وحملوه على الكراهة دون الحرمة للإجماع على عدمها، وأمَّا رفع البصر إلى السَّماء في غير الصَّلاة في دعاءٍ ونحوه فجوَّزه الأكثرون لأنَّ السَّماءَ قبلةُ الدَّاعين؛ كالكعبة قبلة المصلِّين، وكرهه آخرون.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ [8] وابن ماجه في «الصَّلاة».
ج2ص81


[1] في غير (ص) و(م): «رسول الله».
[2] «الكريم»: ليس في (ص) و(م).
[3] في غير (د): «المُقيَّد».
[4] «في الصَّلاة»: ليس في (ص) و(م).
[5] في (ب) و(س): «لينتهوننَّ».
[6] «الفوقيَّة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[7] «التَّحتيَّة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[8] في هامش (ص): (قوله: «والنَّسائيُّ عنه» ظاهره: أنَّ الضمير راجعٌ لأنسٍ، وليس كذلك، بل الحديث أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ كما ذكره العينيُّ والسُّيوطيُّ في «الجامع الكبير»). انتهى.